في الحاجة إلى نقد النقد وتعرية المناهج الوافدةدُرج في الأدبيات الاجتماعية والفكرية التي تناولت العراق والمنطقة العربية على مدى عقود طويلة، ولا سيما بعد منتصف القرن العشرين، على معالجة الظاهرة الاجتماعية العراقية عبر منظارات وافدة وأطر نقدية استشراقية.
وكان الهدف المُعلن دائماً هو التشخيص العلمي لمكامن الخلل، غير أن المؤدى العملي والواقعي لتلك المناهج لم يكن سوى صب الملامة على الجماهير والقاعدة الشعبية، واختزال عقود طوال من التجهيل السلطوي الممنهج في تهم جاهزة أُلصقت بالشعب، من قبيل "الازدواجية"، و"الرفض الذاتي للمدنية"، و"التخلف البنيوي".
إن اتحاد القبائل العراقية، ومن موقعه المتجذر في عمق البنية الاجتماعية الوطنية، يتقدم بهذه الأطروحة لتفكيك الجذور المعرفية لهذه الأزمة، وتتبع مسار تسربها من الأكاديميات الغربية إلى مجتمعاتنا عبر النخب المبتعثة، وذلك لرد التهمة عن عاتق الشعب، والتأسيس لبناء حضاري نابع من القاع الاجتماعي أصالةً، عبر أسلوب يناقش الأفكار بلغة ميسرة وسلسة تفكك المعقد وتصل إلى وجدان المواطن مباشرة.
الأصول التاريخية والفلسفية للجامعات الغربية وصنّاع مناهجها لئلا يرتهن الطرح للرموز المبهمة أو التنظيرات المجرّدة، فإن تفكيك هذه الأزمة المعرفية يبدأ من فهم كيفية تأسيس العلوم الاجتماعية في الغرب والأصول الفكرية لأساتذتها ورادتها الأولين.
لقد تأسست معاهد وكليات العلوم الاجتماعية في أوروبا وأمريكا، وفي مقدمتها جامعات كبرى مثل جامعة شيكاغو والسوربون ولندن للعلوم الاقتصادية، في أعقاب الثورات الصناعية والتحولات الاجتماعية والاستعمارية الكبرى.
أُقيمت هذه المؤسسات على فلسفات المادية التاريخية، والوضعية، وعلم الاجتماع الشكلي، لخدمة مجتمعات مرت بمسارات تاريخية ودينية خاصة بها لا تشبه ببيئتها مجتمعاتنا الشرقية بأي حال من الأحوال.
وبُنيت هذه الأكاديميات على يد أساتذة ومفكرين غربيين نظروا للعلوم الاجتماعية عبر بيئتهم ومصالح دولهم؛ فنجد أن أغوست كونت وأميل دوركهايم أسسا المدرسة الوضعية وشكّلا فكرة أن المجتمع مادة قسرية تشكل الفرد وتتحكم به، ملغين الفطرة والبعد الأخلاقي والرسالي للإنسان.
وفي مسار آخر، أتى كارل ماركس ومكس فيبر ليفسرا السلوك البشري من خلال الصراع الطبقي الصرف أو عقلنة المادة، وجرّدا الإنسان من إرادته الأصيلة.
ثم ظهرت مدرسة شيكاغو لعلوم الاجتماع على يد أساتذة كبار مثل وليم أوغبرن وإرنست بيرجس، واللذين صاغا مفاهيم التناشز الثقافي والبيئة الحضرية على أساس حركة المجتمع الأمريكي الحديث ومعادلاته الخاصة، واعتبروا في مضمر أفكارهم أن أي مجتمع لا يخضع لمسارهم الحضاري هو مجتمع متخلف أو متناشز.
لقد كانت هذه المناهج مُصممة إما لتشريح مجتمعاتهم الغربية وتطويرها، أو لتزويد دوائر الاستعمار الغربي بحوث استشراقية تُسهّل السيطرة على الشعوب الشرقية بدعوى تحديثها وتطويرها.
آلية التجهيل الممنهج عبر النخب الأكاديمية المبتعثة تبدأ أزمة التجهيل المعرفي وتضييع الأصالة عندما ابتعث العراق والدول العربية طليعة طلابه وأكاديمية إلى تلك الكليات والجامعات الغربية.
هناك ارتبط الطالب العربي بأساتذته الغربيين، وتلقى علومهم ونظرياتهم كحقائق مطلقة لا يأتيتها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
وحين عاد هؤلاء الطلاب ليصبحوا أساتذة وباحثين ونقاداً في الجامعات الوطنية والمحافل الفكرية، قاموا بصب تلك القوالب الاستشراقية الغربية قسراً على الواقع العراقي والعربي، ودون مراعاة للخصوصية التاريخية والدينية والمجتمعية.
ويبرز الدكتور علي الوردي كنموذج تطبيقي وأكاديمي بارز لهذه الحالة السائدة؛ فعندما أُبتعث إلى جامعة شيكاغو وتلقى علومه على أيدي أساتذتها الذين تأثروا بنظريات الثقافات والمجتمعات الحضرية، عاد ليمارس تحليل المجتمع العراقي بأدوات شيكاغو نفسها، فأطلق مفاهيم شاعت كثيراً مثل "ازدواجية الشخصية" و"الصراع بين البداوة والحضارة".
إن النقد الموجه هنا لا يمس شخصه أو مكانته الأدبية، بل يتجه بالكامل إلى المنهج الذي اتبعه ونقله؛ فقد تعامل مع الأعراض والظواهر الناجمة عن القمع والاستبداد السلطاني والاستعماري التاريخي وكأنها صفات جينية وأصيلة في الشخصية العراقية.
لقد مارس الأكاديميون المبتعثون، بقصد أو بغير قصد، دور المطرقة الفوقية التي تطرق على رأس المجتمع وتزيد من طمر قاعه، حيث وقف الباحث فوق التل الأكاديمي يمارس جلد الذات وإدانة الضحية، متغافلاً عن أن الجاني الحقيقي هو السلطة المستبدة التي مارست التجهيل.
إنقلاب التهمة: الجهل قرار سلطوي لا طبع مجتمعي
أمام هذه المطارق الفوقية، يؤكد اتحاد القبائل العراقية أن السلوكيات التي أسمتها النخب الأكاديمية الغربية والمبتعثة تخلفاً أو ازدواجية، ليست في حقيقتها إلا دروعاً دفاعية اضطرارية طورها الشعب العراقي عبر القرون والمحاسن لحماية وجوده وفطرته وقيمه وأعرافه الأصيلة، وذلك ليتقي بها تقلبات السلطات الغاشمة وبطش الاستعمار المتعاقب.
إن الجهل والتفتيت والطائفية والنفاق ليست أبداً من منتجات القاع الاجتماعي أو الفطرة الشعبية، بل هي سياسات ممنهجة وإستراتيجيات حوكمة مارستها السلطات المتعاقبة منذ أزمنة طويلة لإبقاء الناس بمعزل عن معرفة حقوقهم وواجباتهم لضمان عدم ثورتهم.
فالمواطن الجاهل بحقوقه يسهل قياده وتدجينه، بينما المواطن الواعي المتمسك بأصوله وقيمه يشكل تهديداً دائمين ومباشراً لكل أشكال الاستبداد.
أزمة التعليم الأكاديمي: الخيمة بلا أوتاد
تنعكس هذه الأزمة في المؤسسات التعليمية والأكاديمية التي اكتفت بمخاطبة المجتمع من الأعالي، ومنح الجماهير قشور العلوم والنظريات بدلاً من التأسيس المعرفي التكاملي.
إن الفشل في بناء الوعي لا يعود إطلاقاً لعدم استيعاب أهل القاع أو قصور في عقولهم، بل يقع كلياً على عاتق الأكاديمي والمعلم والقائد الذي ينقل قشور العلوم الغربية ويحاضر بها من أبراج عاجية، دون أن ينزل إلى مستوى المتلقي لتأسيس الوعي من أوتاده وجذوره.
إن إعطاء النظريات الفوقية للجماهير دون غرس أوتاد الوعي والكرامة والمواطنة في الأرض، يشبه تماماً من يرمي غطاء الخيمة في الهواء دون أن يزرع لها أعمدة وأوتاداً صلبة في القاع البشري؛ فتطير الخيمة وتتداعى مع أول عاصفة سياسية أو اجتماعية يمر بها الوطن.
الواقع السياسي المعاصر وتطبيقات التجهيل
لقد تجسدت إشكالية المنهج الفوقي بأوضح صورها وأكثرها قسوة في التجربة السياسية المعاصرة ما بعد عام 2003؛ حيث أُتي بطبقات حكمت البلاد بعقليات وأفكار مستوردة تتشارَك مع الأكاديمي المستغرب في النظر إلى الداخل العراقي باستعلاء ودونية، وتتعامل مع الشعب العراقي العظيم ككتل مكوناتية مجهلة خالية من الإرادة الوطنية والوعي الأصيل.
ولضمان ديمومة السيطرة والسيطرة على مقدرات البلاد، اعتمدت هذه السلطة إستراتيجية التفتيت المكوناتي، عبر تغذية النعرات الطائفية والمذهبية والقومية، وإبقاء المواطن العراقي حائراً ومغرورقاً في دائرة الصراع اليومي على أبسط مقومات العيش والتنقل والخدمات.
وهكذا تحول العقد الاجتماعي إلى علاقة نزف وامتصاص لخيرات الوطن، ليتحول الحاكم إلى عبد خاضع للراعي الخارجي، وسيف مسلط على شعبه عبر أدوات التجهيل الممنهج وتزييف الوعي.
الرؤية البديلة لاتحاد القبائل العراقية: النقد الذاتي والبناء من القاع يقدم اتحاد القبائل العراقية هذه الدراسة ليؤكد من خلالها أن الحل الشامل لا يكمن في استيراد النظريات الغربية، ولا في جلد الذات من أعلى التلال الأكاديمية والسياسية، بل في التأسيس لمشروع بنائي أصيل ينبع من القاع الاجتماعي صعوداً إلى القمة، قائماً على النقد والنقد الذاتي، وعاملاً على تحرير المجتمع من التدجين.
تستند هذه الرؤية البديلة أولاً على الاعتماد المطلق على الفطرة والأصالة المجتمعية، والإيمان العميق بأن الشعب العراقي يمتلك المعدن الأخلاقي والفكري النقي، وما يحتاجه هو التزكية والبناء التأسيسي السليم لا الطرق بالمطارق.
وثانياً، الذهاب إلى استصلاح الأعراف وتنبي النقد الذاتي الواعي، عبر تنقية الأعراف العشائرية والاجتماعية من السلوكيات الطارئة والنفوذ السياسي المحاصصاتي الذي حاول تدجين العشيرة لاستعمالها كأداة سلطوية، وإعادة ربط المجتمع بمبادئ المروءة، والتضامن، وحماية الضعيف، وإعانة المظلوم.
وأخيراً، يتوجب التأسيس للوعي الشامل بالحقوق والسيادة، من خلال بناء المواطن العراقي معرفياً وأخلاقياً ليعلم حقوقه وواجباتهم، فيتحول من موقع المواطن المجهَّل والمستقبل للنظريات، إلى موقع الفاعل القادر على محاسبة الحاكم، وصيانة ثروات بلاده، وحماية سيادتها الوطنية بأصالته ووعيه المباشر.
الاسترداد الحضاري: التحديث في خدمة الأصول لا لإلغاء البدايات إن أعظم أشكال التزييف المعرفي الذي يمارسه الفكر الفوقي المستورد، هو إيهام المواطن العراقي والعربي بأن الحضارة والمدنية والنظام هي منتجات غربية حصرية يجب استيرادها والانصياع لها.
والحقيقة التاريخية الرصينة تشهد بأن العراق والعالم العربي هما المهد الأول والأساس الأصيل لكل علوم البشرية؛ فمن بابل وآشور، ومن الشام ومصر الفرعونية والأندلس، أُسست قوانين العدالة وهياكل الدولة وعلوم الرياضيات والفلك والأخلاق، وما العلوم الغربية الحديثة إلا نسخ مستنسخة ومعدلة من أصولنا الأولى.
ولكن، إن الرجوع إلى هذه الأصول لا يعني قط الجمود ولا التنكر للمنجز العلمي الحديث؛ فالعلوم الحضارية بطبعها يجب أن تخضع للتحديث المستمر، شريطة أن يكون هذا التحديث لصالح الأمم وسيادتها، لا لتجهيلها وإلغاء حضارتها الأصيلة.
إن أي بناءٍ فكري أو اجتماعي يسعى لإلغاء أساسيات وبداياته الأولى، هو بناء متهاوٍ وآيل للسقوط مهما بلغت زخارفه؛ لأن القوة البنيوية تكمن دائماً في صلابة الجذور.
من هذا المنطلق، فإن الواجب المعرفي يقتضي منا الحفاظ الكامل على الأساسيات والركائز التي بني عليها مجتمعنا العراقي والعربي، بالتوازي مع الاستيعاب الكامل للحداثة البنيوية والتكنولوجية التي يشهدها العالم. إن الأدوات والتقنيات الحديثة، متى ما وُظفت بأيدٍ واعية تمتلك أصالتها التاريخية، تصبح خادمة للرقي الاجتماعي، ومحركاً لديمومة التطوير، ودعامة متينة لحماية البناء الأصيل للمجتمع، للوصول به إلى أعلى درجات السيادة والتقدم الحضاري في العصر الحديث.
خاتمة وتوصية
إن هذه الأطروحة تتجاوز كونها مجرد تحليل نظري لتكون وثيقة عمل وميثاقاً فكرياً يتكفّل اتحاد القبائل العراقية بنشره وترسيخه في أوساط المجتمع.
إننا نعلن جلياً وبكل صراحة: إن المجتمع العراقي براء من تهم الجهل والتخلف والازدواجية، وإن الأزمة تكمن أساساً في المناهج الأكاديمية الغربية المستوردة وفي التجهيل السلطوي الممنهج.
ولن تبدأ النهضة الحقيقية لبلادنا إلا عندما تتوقف النخب عن جلد المجتمع بمطارق المناهج الغربية، وينزل الجميع إلى أرض الواقع لزرع أوتاد الوعي والكرامة والعدالة في القاع البشري، معتمدين على أصولنا الحضارية الثابتة، ومسخرين أدوات التحديث العصرية لصالح أمتنا وكرامتها... فحينها فقط ينهض العراق بأبنائه وأصالته وسيادته المطلقة.