أعادت التطورات الأمنية المتسارعة في جنوب ليبيا ملف توحيد المؤسسة العسكرية إلى صدارة المشهد، بعدما تزامنت المواجهات التي شهدها إقليم فزان مع تحركات عسكرية وسياسية تهدف إلى دفع جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وفي مقدمتها الاجتماع الذي استضافته مدينة سرت وجمع قيادات عسكرية من شرق البلاد وغربها، وسط مخاوف من أن تؤثر هشاشة الوضع الأمني على الحدود الجنوبية في مسار إعادة بناء المؤسسة العسكرية.
وشهدت مناطق الجنوب خلال الأيام الماضية مواجهات وهجمات استهدفت مواقع عسكرية، ترافقت مع تبادل بيانات بين القوات المنتشرة في المنطقة ومجموعات مسلحة تنشط على الحدود مع تشاد والنيجر. وأعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية مقتل عدد من العسكريين خلال العمليات، مؤكدة استمرار جهودها لتأمين الحدود وملاحقة المجموعات المسلحة.
وفي المقابل، نشرت منصات إعلامية بيانات منسوبة إلى مجموعات مسلحة أعلنت مسؤوليتها عن تنفيذ هجمات ضد مواقع عسكرية، مدعية الاستيلاء على آليات وأسر عدد من العناصر، بينما لم تؤكد القيادة العامة هذه الروايات، واكتفت بالإعلان عن سقوط قتلى في صفوف قواتها خلال العمليات الجارية.
وأثارت التطورات ردود فعل واسعة داخل إقليم فزان، حيث أعلنت قبيلة التبو براءتها من أي صلة بالهجوم الذي استهدف منطقة غرنديقة، مؤكدة أن الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في بيانات المجموعات المسلحة لا يمثلون القبيلة، ومحذرة من محاولات الزج باسمها في الصراع. كما أدانت بلديات فزان الهجوم، معتبرة أنه يستهدف الأمن والاستقرار في الجنوب، ودعت إلى ملاحقة المسؤولين عنه وتعزيز الدعم العسكري والأمني للقوات المنتشرة في المنطقة.
من جانبه، أعلن مجلس شيوخ قبائل الطوارق دعمه للعمليات العسكرية الرامية إلى حماية الحدود، مؤكداً رفضه لأي أعمال مسلحة من شأنها تعميق حالة عدم الاستقرار، في وقت يرى فيه مراقبون أن استقرار الجنوب الليبي يعتمد على الحفاظ على التوازنات الاجتماعية إلى جانب تعزيز الانتشار الأمني.
وجاءت هذه التطورات بعد أيام من اجتماع عسكري عقد في مدينة سرت، جمع رئيس الأركان العامة المكلف بالمنطقة الغربية الليبية الفريق أول صلاح الدين النمروش، ورئيس أركان القوات البرية التابعة للقيادة العامة الليبية الفريق أول خالد حفتر، بحضور اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) واللجنة العسكرية (3+3) وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
وأسفر الاجتماع عن تفاهمات تقضي بالمضي في خطوات عملية لدعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية، من بينها الاتفاق على تنظيم تمرين تعبوي مشترك في إحدى مناطق الجنوب، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً مهماً على تنامي التعاون العسكري بين المؤسستين في شرق ليبيا وغربها.

ويرى متابعون أن اختيار الجنوب لاستضافة هذا التمرين يحمل دلالات مهمة، باعتبار الإقليم من أكثر المناطق تعقيداً من الناحية الأمنية، وأن نجاح أي تعاون عسكري هناك سيعكس قدرة المؤسسات العسكرية الليبية على العمل المشترك في الملفات السيادية. لكن استمرار الهجمات المسلحة يفرض تحديات مباشرة أمام هذا المسار، إذ قد يدفع تصاعد العمليات العسكرية إلى إعطاء الأولوية للمعالجات الأمنية على حساب استكمال إجراءات توحيد المؤسسة العسكرية.
ولا تنفصل هذه التطورات عن البعد الإقليمي، إذ يمثل جنوب ليبيا منطقة حدودية مع عدة دول، ويشهد منذ سنوات نشاطاً لجماعات مسلحة عابرة للحدود وشبكات تهريب البشر والأسلحة والوقود، ما يجعل أي اضطراب أمني فيه يتجاوز التأثيرات المحلية ويمتد إلى دول الجوار.
وفي هذا الإطار، كشفت تقارير إعلامية فرنسية عن زيارة وفد من النيجر إلى العاصمة الليبية طرابلس خلال يوليو الجاري، لبحث ملفات التعاون الأمني وتنفيذ تفاهمات مشتركة، إضافة إلى مناقشة ملف السجناء النيجريين الذين أُفرج عن عدد منهم مؤخراً، في مؤشر على تنامي التنسيق الأمني بين ليبيا والنيجر لمواجهة التحديات المشتركة على الحدود.
ويؤكد مراقبون أن نجاح أي خطة لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية سيظل مرتبطاً بقدرة الأجهزة الأمنية على فرض الاستقرار في المناطق الحدودية، إذ إن استمرار وجود بؤر مسلحة خارج سيطرة الدولة سيحد من فعالية التفاهمات السياسية والعسكرية.
كما يمثل الجنوب الليبي اختباراً عملياً لقدرة القيادات العسكرية على ترجمة الاتفاقات إلى تعاون ميداني، خاصة مع تزايد الدعوات المحلية لتعزيز الانتشار الأمني والتصدي للجريمة المنظمة وشبكات التهريب التي تستفيد من الطبيعة الجغرافية الوعرة للمنطقة.
وفي ظل استمرار الجهود السياسية والعسكرية لإنهاء الانقسام، يبقى إقليم فزان أحد أبرز مفاتيح مستقبل المؤسسة العسكرية الليبية، حيث إن نجاح مشروع التوحيد لن يقاس بالاتفاقات والاجتماعات وحدها، بل بمدى قدرة المؤسسات الأمنية والعسكرية على بسط الأمن وتعزيز سيادة الدولة الليبية على حدودها مع دول الجوار.