نفت الحكومة الفرنسية وجود أي خطة لزيادة عدد التأشيرات الممنوحة للمواطنين الجزائريين، مؤكدة أن باريس لم تعتمد أي توجه لإعادة مستويات منح التأشيرات إلى ما كانت عليه قبل تدهور العلاقات مع الجزائر، وذلك في أعقاب الجدل الذي أثارته تصريحات السفير الفرنسي لدى الجزائر بشأن إمكانية العودة تدريجيًا إلى المعدلات السابقة.
وأكد الوزير الفرنسي المنتدب المكلف بأوروبا، بنجامين حداد، أن الحكومة الفرنسية لا تناقش في الوقت الراهن أي أهداف رقمية أو حصص جديدة خاصة بالتأشيرات، مشددًا على أن ما أثير بشأن رفع عدد التأشيرات لا يعكس السياسة الرسمية التي تعتمدها باريس في إدارة هذا الملف.
وأوضح المسؤول الفرنسي أن أي تغيير مستقبلي في سياسة منح التأشيرات سيظل مرتبطًا بإحراز تقدم ملموس في عدد من الملفات التي تعتبرها الحكومة الفرنسية أولوية في علاقاتها مع الجزائر، وفي مقدمتها التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية، والتصدي لشبكات تهريب المخدرات، إضافة إلى قضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز، الذي يقضي عقوبة داخل الجزائر.
ويعكس هذا الموقف تراجعًا عن الانطباع الذي خلفته تصريحات السفير الفرنسي لدى الجزائر، ستيفان روماتي، والتي فُهم منها أن باريس تتجه إلى تخفيف القيود المفروضة على منح التأشيرات وإعادة العلاقات القنصلية إلى مستوياتها السابقة، قبل أن تبادر الحكومة الفرنسية إلى توضيح موقفها الرسمي ونفي وجود أي قرار بهذا الشأن.
وأكدت الحكومة الفرنسية أن أي انفراج في ملف التأشيرات لن يكون تلقائيًا أو أحادي الجانب، بل سيأتي في إطار تقدم فعلي في الملفات السياسية والأمنية والقضائية والهجرية العالقة بين البلدين، بما يضمن تحقيق المصالح المشتركة.
ووفقًا لما أوردته وسائل إعلام فرنسية، فإن تصريحات السفير الفرنسي لم تحظ بدعم داخل دوائر صنع القرار في باريس، حيث أشارت تقارير إلى أن وزارة الخارجية الفرنسية شددت على ضرورة الالتزام بالموقف الرسمي للحكومة، خاصة في ظل حساسية العلاقات مع الجزائر خلال المرحلة الحالية.
وأعاد الجدل حول التأشيرات إلى الواجهة الانقسامات السياسية داخل فرنسا بشأن كيفية إدارة العلاقات مع الجزائر، إذ أثارت الأنباء المتداولة بشأن احتمال تخفيف القيود انتقادات من أحزاب اليمين، التي اعتبرت أن أي خطوة من هذا النوع ينبغي أن تسبقها تسوية الملفات الخلافية بين البلدين.

وفي هذا السياق، وصف رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي، جوردان بارديلا، الحديث عن زيادة عدد التأشيرات بأنه يمثل تنازلًا غير مبرر، معتبرًا أن باريس لا ينبغي أن تقدم أي تسهيلات قبل إحراز تقدم في الملفات العالقة، وعلى رأسها قضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز، إضافة إلى ملفات الهجرة والتعاون الأمني.
كما انتقد رئيس حزب الجمهوريون الفرنسي، برونو روتايو، السياسة التي تنتهجها إدارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تجاه الجزائر، معتبرًا أن الدبلوماسية الفرنسية قدمت تنازلات دون الحصول على نتائج واضحة، مطالبًا بربط أي انفتاح في ملف التأشيرات بتحقيق تقدم فعلي في إعادة المهاجرين الموجودين بصورة غير قانونية داخل فرنسا، إلى جانب معالجة بقية القضايا الخلافية.
ويأتي هذا السجال السياسي في وقت تسعى فيه فرنسا والجزائر إلى إعادة تنشيط قنوات الحوار بعد أشهر من التوتر الدبلوماسي، حيث شهد شهر يوليو الجاري استئناف الاتصالات الوزارية بين البلدين، إلى جانب الاتفاق على إعادة السفارات والقنصليات للعمل بكامل طاقتها، فضلاً عن استئناف التعاون في مجالات الأمن والعدالة والهجرة.
ويعد ملف التأشيرات من أبرز القضايا التي ألقت بظلالها على العلاقات الفرنسية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، بعدما شددت فرنسا إجراءات منح التأشيرات وربطتها بمستوى تعاون الجزائر في استقبال رعاياها الموجودين بصورة غير قانونية على الأراضي الفرنسية، قبل أن تتوسع الخلافات لتشمل ملفات سياسية وقضائية وأمنية أخرى.
كما ازدادت حدة التوتر بين الجانبين عقب إعلان فرنسا دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساسًا لتسوية قضية الصحراء، وهو الموقف الذي أثار اعتراضًا جزائريًا واسعًا وأدى إلى اتخاذ إجراءات دبلوماسية متبادلة، لتدخل العلاقات الثنائية مرحلة من التوتر غير المسبوق، قبل أن تبدأ مؤخرًا محاولات لإعادة الحوار واحتواء الخلافات بين البلدين.