أثار قرار الحكومة في موزمبيق السماح بإعادة تشكيل ميليشيات محلية تُعرف باسم "ناباراما" للمشاركة في دعم القوات المسلحة في مواجهة الجماعات المتشددة، وفي مقدمتها تنظيم داعش النشط في إقليم كابو ديلجادو، نقاشًا واسعًا حول جدوى الاعتماد على التشكيلات الشعبية في مكافحة الإرهاب. ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه البلاد تحديات أمنية متصاعدة، وسط مخاوف من أن يؤدي تراجع الوجود العسكري الخارجي إلى منح التنظيمات المتشددة مساحة أكبر لإعادة تنظيم صفوفها.

منذ عام 2017، يشهد إقليم كابو ديلجادو، الواقع شمالي موزمبيق، تمردًا مسلحًا تقوده جماعات متشددة أعلنت ولاءها لتنظيم داعش، واستهدفت قرى ومدنًا ومشروعات اقتصادية، أبرزها مشروعات الغاز الطبيعي التي تُعد من أكبر الاستثمارات في أفريقيا.
وأسفرت الهجمات عن مقتل آلاف الأشخاص وتشريد مئات الآلاف، كما تسببت في تعطيل مشروعات تنموية كبرى، ما جعل الأزمة الأمنية تمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الوطني، فضلًا عن انعكاساتها الإنسانية الواسعة. ورغم نجاح القوات الحكومية، بدعم من شركاء إقليميين ودوليين، في استعادة السيطرة على عدد من المناطق، فإن الجماعات المتشددة لا تزال قادرة على تنفيذ هجمات خاطفة والانتشار في المناطق الريفية والغابات، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية الوعرة للإقليم.

في مواجهة هذه التحديات، اتجهت الحكومة إلى الاستعانة بميليشيات "ناباراما"، وهي مجموعات محلية اكتسبت شهرتها خلال الحرب الأهلية في موزمبيق، عندما لعبت دورًا في دعم القوات الحكومية ضد المتمردين. وتعتمد هذه المجموعات على معرفة دقيقة بالتضاريس والسكان المحليين، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على رصد تحركات العناصر المسلحة مقارنة بالقوات النظامية القادمة من خارج الإقليم.
وتأمل السلطات أن يسهم إشراك هذه القوات في تعزيز الأمن داخل القرى والمناطق النائية، وتوفير معلومات استخباراتية ميدانية تساعد الجيش على تنفيذ عمليات أكثر فاعلية ضد معاقل الجماعات المتشددة، إلى جانب تخفيف الضغط عن القوات المسلحة التي تواجه انتشارًا واسعًا للتهديدات.

لا تُعد موزمبيق الدولة الأفريقية الأولى التي تلجأ إلى تشكيل قوات محلية لمواجهة الإرهاب. ففي بوركينا فاسو، أنشأت الحكومة قوات للدفاع الذاتي بهدف مساندة الجيش في التصدي للجماعات المسلحة التي تنشط في مناطق واسعة من البلاد، كما اتبعت النيجر سياسة مشابهة عبر دعم مجموعات محلية للمشاركة في حماية المجتمعات الريفية.
ورغم أن هذه التجارب حققت في بعض الأحيان نجاحات تكتيكية، من خلال تحسين جمع المعلومات وتأمين بعض المناطق، فإنها واجهت أيضًا تحديات كبيرة، أبرزها محدودية التدريب والتسليح، وضعف التنسيق مع القوات النظامية، فضلًا عن اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين في بعض الحالات، الأمر الذي أثار مخاوف من أن يؤدي الاعتماد المفرط على الميليشيات إلى تعقيد المشهد الأمني بدلًا من احتوائه.

يرى مراقبون أن نجاح "ناباراما" سيظل مرهونًا بقدرة الحكومة على دمج هذه التشكيلات ضمن إطار قانوني وعسكري واضح، يحدد مسؤولياتها وآليات عملها، ويضمن خضوعها للرقابة والمساءلة. كما أن توفير التدريب والتجهيز المناسبين يعد عنصرًا أساسيًا لرفع كفاءة هذه القوات وتقليل مخاطر تحولها إلى جماعات مسلحة مستقلة بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وتبرز أيضًا تحديات تتعلق بإمكانية استغلال الجماعات المتشددة لحالة الانقسام داخل المجتمعات المحلية، أو استهداف أفراد الميليشيات وعائلاتهم، وهو ما قد يحد من فاعلية هذه القوات في بعض المناطق.

يتزامن قرار إعادة تفعيل "ناباراما" مع استعداد بعض البعثات العسكرية الأجنبية لتقليص وجودها أو الانسحاب من أجزاء من شمال موزمبيق، ما يزيد من أهمية تعزيز القدرات المحلية للحفاظ على المكاسب الأمنية التي تحققت خلال السنوات الماضية.
ويرى خبراء أن مواجهة التهديد المتشدد لا يمكن أن تعتمد على الحلول العسكرية وحدها، بل تتطلب أيضًا معالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي أسهمت في انتشار التطرف، مثل الفقر والبطالة وضعف الخدمات العامة والتهميش الذي تعاني منه بعض المناطق. وفي هذا الإطار، قد تمثل الميليشيات المحلية أداة داعمة للجهود الأمنية، لكنها لن تكون كافية بمفردها لضمان استقرار دائم، ما لم تُستكمل بإصلاحات تنموية ومؤسسية تعزز ثقة السكان في الدولة وتحد من قدرة التنظيمات المتشددة على استقطاب عناصر جديدة.