سجلت حركة الملاحة في مضيق هرمز تراجعا واضحا خلال الساعات الأولى من إعادة الولايات المتحدة فرض حصارها البحري على الموانئ الإيرانية، في تطور يعكس اتساع نطاق المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، ويثير مخاوف متزايدة بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية واستقرار أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
وأظهرت بيانات حديثة لحركة الشحن البحري أن عدد السفن التي عبرت مضيق هرمز، الأربعاء، انخفض إلى سبع سفن فقط، مقارنة بثلاث عشرة سفينة في اليوم السابق، وهو أول تراجع ملموس منذ بدء تنفيذ الإجراءات الأميركية الجديدة، وسط استمرار العمليات العسكرية في منطقة الخليج.
يأتي هذا الانخفاض بعد إعلان إيران، في وقت متأخر من مساء السبت، إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي أدى إلى تصاعد حدة المواجهة مع الولايات المتحدة، حيث كثف الجانبان عملياتهما العسكرية والبحرية في المنطقة، ما انعكس بشكل مباشر على حركة السفن التجارية ورفع مستوى المخاطر أمام شركات النقل البحري.
ويرى مراقبون أن استمرار التصعيد العسكري يجعل الملاحة في المضيق أكثر تعقيدا، خاصة في ظل وجود قطع بحرية عسكرية وعمليات مراقبة مكثفة، وهو ما يدفع شركات الشحن العالمية إلى اتخاذ تدابير احترازية لتقليل المخاطر التي قد تواجهها السفن أثناء العبور.

يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ كان يعبر من خلاله قبل اندلاع الحرب نحو 20 بالمئة من صادرات النفط والغاز العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب في حركة الملاحة داخله ينعكس بصورة مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وأسعار النفط والغاز، فضلا عن تكاليف النقل البحري والتأمين.
ويحظى المضيق بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، حيث تعتمد عليه صادرات النفط القادمة من عدد من دول الخليج، ما يجعل أي توتر أمني فيه محل متابعة دقيقة من الحكومات والمؤسسات الاقتصادية العالمية.
وأظهرت بيانات الشحن أن معظم السفن التي تمكنت من عبور المضيق خلال الأربعاء استخدمت المسار القريب من المياه الإيرانية، في ظل محدودية الخيارات المتاحة أمام السفن التجارية، بينما فضلت شركات أخرى تأجيل رحلاتها أو الانتظار لحين اتضاح المشهد الأمني.
ويشير هذا التغير في حركة الملاحة إلى أن شركات الشحن أصبحت تتعامل بحذر شديد مع التطورات العسكرية، خاصة بعد ارتفاع مستوى التهديدات في المنطقة.
كما بينت البيانات دخول أربع سفن فارغة إلى الخليج، شملت ثلاث ناقلات نفط صغيرة وسفينة مخصصة لنقل الحبوب، وهو ما يعكس استمرار حركة تجارية محدودة رغم الظروف الأمنية المعقدة.
ويؤكد خبراء النقل البحري أن انخفاض عدد السفن الداخلة والخارجة من الخليج يعد مؤشرا مبكرا على تأثر حركة التجارة الإقليمية، خاصة إذا استمرت العمليات العسكرية لفترة أطول.
في المقابل، خرجت ثلاث سفن فقط من مضيق هرمز خلال اليوم ذاته، وكانت تحمل شحنات من غاز البترول المسال والفحم وزيت الوقود، بينما غابت شحنات النفط الخام الكبيرة التي كانت تعبر المضيق بصورة منتظمة قبل اندلاع الأزمة.
ويعكس هذا التراجع انخفاض وتيرة الصادرات العابرة للمضيق، نتيجة المخاوف الأمنية وارتفاع تكاليف التشغيل والتأمين.
وأوضحت بيانات الشحن أن ناقلة من طراز "سويزمكس" تحمل نحو مليون برميل من النفط الخام السعودي غادرت مضيق هرمز الثلاثاء، بعدما أوقفت جهاز الإرسال والاستقبال الخاص بها خلال الرحلة.
ويعد إيقاف أجهزة التتبع من الإجراءات التي قد تلجأ إليها بعض السفن عند المرور في مناطق تشهد توترات أمنية مرتفعة، بهدف تقليل احتمالات تتبع مسارها، إلا أن هذه الخطوة تثير في الوقت نفسه مخاوف تتعلق بسلامة الملاحة وإدارة حركة السفن.
ولم تسجل حركة الملاحة مرور أي ناقلات نفط عملاقة أو ناقلات غاز طبيعي مسال عبر مضيق هرمز خلال الأربعاء، وهو تطور وصفه محللون بأنه يعكس حجم القلق الذي يسيطر على شركات الطاقة العالمية، خاصة أن هذه الناقلات تمثل الجزء الأكبر من صادرات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج.
ويؤكد خبراء الطاقة أن استمرار غياب الناقلات العملاقة قد يؤدي إلى انخفاض الإمدادات العالمية إذا استمرت الأزمة دون حلول.
يراقب المستثمرون وأسواق المال العالمية تطورات الأوضاع في الخليج بصورة متواصلة، إذ يؤدي أي تراجع في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى زيادة المخاوف بشأن نقص الإمدادات، وهو ما ينعكس غالبا على أسعار النفط والغاز، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري.
كما قد تواجه الشركات الصناعية في عدد من الدول تحديات إضافية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وهو ما ينعكس على أسعار السلع وسلاسل الإمداد العالمية.
دفعت التطورات الأخيرة العديد من شركات النقل البحري إلى مراجعة خططها التشغيلية، حيث بدأت بعض الشركات في تعديل جداول الإبحار أو تأجيل رحلاتها، فيما تبحث شركات أخرى عن بدائل لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، رغم محدودية الخيارات المتاحة لنقل كميات ضخمة من النفط والغاز.
ويرى مختصون أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين على السفن العابرة للخليج، مع زيادة الرسوم المفروضة على الشحن البحري بسبب المخاطر الأمنية.
وفي ظل استمرار التوتر، قد تتجه الدول المستوردة للنفط إلى استخدام احتياطياتها الاستراتيجية أو زيادة الاعتماد على موردين آخرين لتأمين احتياجاتها من الطاقة، في محاولة لتقليل آثار أي اضطراب طويل الأمد في الإمدادات القادمة من الخليج.
كما تتابع الحكومات والمؤسسات الدولية تطورات الأزمة عن كثب، تحسبا لأي تأثيرات اقتصادية أوسع قد تطال الأسواق العالمية.
وتواصل الولايات المتحدة تنفيذ إجراءاتها العسكرية والبحرية لتشديد الضغوط على إيران، بينما تتمسك إيران بموقفها بشأن مضيق هرمز، الأمر الذي يبقي احتمالات التصعيد قائمة خلال الفترة المقبلة.
ويرى محللون أن أي انفراج سياسي أو دبلوماسي سيكون عاملا حاسما في إعادة الاستقرار إلى حركة الملاحة، أما استمرار المواجهة العسكرية فقد يؤدي إلى مزيد من التراجع في حركة السفن وارتفاع المخاطر على تجارة الطاقة العالمية، بما ينعكس على الاقتصاد الدولي بأكمله، نظرا للدور المحوري الذي يلعبه مضيق هرمز في نقل النفط والغاز بين دول الخليج والأسواق العالمية.