دراسات وأبحاث

انعكاسات الحرب على الاقتصاد اللبناني.. تحديات متراكمة ومسارات صعبة نحو التعافي

الإثنين 13 يوليو 2026 - 12:10 م
غاده عماد
الأمصار

يشهد الاقتصاد اللبناني واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخه الحديث، في ظل تداخل الأزمات السياسية والمالية والأمنية التي ألقت بظلالها على مختلف القطاعات الاقتصادية. فبعد سنوات من الانهيار المالي الذي بدأ في عام 2019، جاءت التطورات الأمنية والعسكرية الأخيرة لتضاعف الضغوط على الاقتصاد، وتزيد من تعقيد جهود التعافي وإعادة بناء الثقة في المؤسسات المالية والنقدية.

وتسببت الحرب والتوترات الإقليمية في تعطيل النشاط الاقتصادي وإضعاف حركة الاستثمار والإنتاج، كما انعكست بصورة مباشرة على معدلات النمو والتضخم والتجارة الخارجية، الأمر الذي جعل الاقتصاد اللبناني يواجه تحديات غير مسبوقة تتطلب إصلاحات هيكلية عميقة، إلى جانب استقرار سياسي وأمني يسمح بإعادة إطلاق عجلة التنمية.

الاقتصاد بين آثار الحرب والأزمات المتراكمة

لم تكن الأزمة الاقتصادية اللبنانية وليدة التطورات العسكرية الأخيرة، وإنما جاءت نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، بدأت مع الانهيار المالي والمصرفي، وتفاقمت بفعل الانقسامات السياسية، ثم ازدادت حدة مع تصاعد المواجهات العسكرية التي أثرت على البنية التحتية وقطاعات الإنتاج والخدمات.

وأدى هذا الواقع إلى تراجع قدرة الدولة على تنفيذ سياسات اقتصادية فعالة، في وقت ارتفعت فيه احتياجات المواطنين بصورة غير مسبوقة نتيجة زيادة الأسعار وتراجع القوة الشرائية، فضلاً عن استمرار الضغوط على المالية العامة واحتياطيات النقد الأجنبي.

 نمو اقتصادي هش يواجه مخاطر الانكماش

تكشف مؤشرات الأداء الاقتصادي عن استمرار هشاشة الاقتصاد اللبناني رغم محاولات التعافي المحدودة التي شهدها خلال الفترة الماضية.

فبعد سنوات من الانكماش، سجل الاقتصاد معدل نمو إيجابي محدود خلال عام 2025 مدفوعًا بانتعاش قطاعات السياحة والعقارات والبناء وزيادة الاستهلاك المحلي، إلا أن هذا التحسن لم يكن كافيًا لبناء قاعدة اقتصادية مستقرة، خاصة مع عودة التوترات الأمنية التي أعادت الاقتصاد إلى دائرة الضغوط.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى احتمال تعرض الاقتصاد لانكماش جديد خلال عام 2026 نتيجة الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية وتعطل الأنشطة الإنتاجية، وهو ما يهدد بفقدان المكاسب المحدودة التي تحققت خلال العام السابق.

ويرى خبراء الاقتصاد أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية، وإبطاء عمليات إعادة الإعمار، إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر.

التضخم يواصل الضغط على معيشة المواطنين

يظل التضخم أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد اللبناني، إذ شهدت أسعار السلع والخدمات ارتفاعات متواصلة نتيجة مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية.

فقد ساهمت الحرب في تعطيل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والشحن، بينما أدى تراجع الإنتاج المحلي إلى زيادة الاعتماد على الواردات، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية.

كما ساهمت الزيادات التي طرأت على أسعار الوقود والرسوم الجمركية في رفع تكاليف الإنتاج والنقل، الأمر الذي أدى إلى انتقال موجات التضخم إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، لتصبح الأسر اللبنانية الأكثر تضررًا من ارتفاع تكاليف المعيشة.

وأصبح المواطن اللبناني يواجه تحديًا يوميًا في توفير احتياجاته الأساسية، في ظل تراجع الدخول وارتفاع الأسعار بصورة تفوق القدرة الشرائية لمعظم الأسر.

 استقرار سعر الصرف لا يعكس تعافيًا حقيقيًا

رغم استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية خلال الفترة الأخيرة مقارنة بسنوات الأزمة الأولى، فإن هذا الاستقرار لا يعني بالضرورة خروج الاقتصاد من دائرة المخاطر.

ويؤكد اقتصاديون أن استقرار العملة جاء نتيجة إجراءات نقدية وإدارية اتخذها مصرف لبنان لضبط السيولة، وليس نتيجة تحسن الإنتاج أو زيادة الصادرات أو تدفق الاستثمارات.

ومن ثم، فإن استقرار سعر الصرف يظل مرتبطًا بالإجراءات المؤقتة، بينما تبقى التحديات الهيكلية قائمة، وفي مقدمتها ضعف النمو الاقتصادي وارتفاع الدين العام وتراجع الثقة بالقطاع المالي.

عجز متزايد في الميزان التجاري

لا يزال العجز التجاري يمثل أحد أبرز نقاط الضعف في الاقتصاد اللبناني، إذ تستمر الواردات في تسجيل مستويات مرتفعة مقارنة بالصادرات.

ويعود ذلك إلى تراجع الإنتاج المحلي، وانخفاض القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالمصانع والقطاع الزراعي نتيجة الأوضاع الأمنية.

وفي المقابل، ارتفعت قيمة الواردات لتلبية احتياجات السوق المحلية، خاصة فيما يتعلق بالمواد الغذائية والوقود ومستلزمات إعادة الإعمار، وهو ما أدى إلى اتساع فجوة العجز التجاري وزيادة الضغوط على ميزان المدفوعات.

القطاع المصرفي ما زال في قلب الأزمة

ورغم مرور سنوات على الأزمة المالية، فإن القطاع المصرفي اللبناني لم يستعد بعد قدرته على أداء دوره الطبيعي في تمويل الاقتصاد.

فلا تزال القيود المفروضة على الودائع، وتراجع الثقة بين المصارف والعملاء، وضعف الإقراض، تمثل عقبات رئيسية أمام تحريك النشاط الاقتصادي.

ويؤكد المختصون أن إعادة هيكلة القطاع المصرفي أصبحت ضرورة لا يمكن تأجيلها، بما يضمن حماية حقوق المودعين، وإعادة رسملة المصارف القادرة على الاستمرار، واستعادة الثقة في النظام المالي.

 الاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة

يرتبط جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية بتحقيق قدر مناسب من الاستقرار السياسي والأمني، وهو ما يفتقده لبنان خلال المرحلة الحالية.

فالمستثمر يبحث عن بيئة مستقرة وقوانين واضحة ومؤسسات قادرة على حماية الاستثمارات، وهي عناصر لا تزال تواجه تحديات كبيرة نتيجة استمرار الانقسامات السياسية والتوترات الأمنية.

كما أن غياب الإصلاحات الاقتصادية والمالية يحد من قدرة الدولة على استقطاب رؤوس الأموال اللازمة لتنفيذ مشروعات التنمية وإعادة الإعمار.

 مسارات التعافي الممكنة

يرى خبراء الاقتصاد أن تجاوز الأزمة الحالية يتطلب تنفيذ برنامج إصلاحي متكامل يشمل عدة محاور رئيسية.

ويأتي في مقدمة هذه المحاور تحقيق الاستقرار السياسي والأمني باعتباره المدخل الأساسي لأي إصلاح اقتصادي، إلى جانب إعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة الثقة في المؤسسات المالية.

كما يتطلب الأمر تنويع مصادر النمو الاقتصادي من خلال دعم القطاعات الإنتاجية، خاصة الصناعات الغذائية والدوائية والقطاعات التكنولوجية والسياحية، بما يساهم في زيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات.

ويعد تحسين الحوكمة ومكافحة الفساد وتعزيز الشفافية من العوامل الأساسية لاستعادة ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية، إضافة إلى تبني سياسات مالية ونقدية أكثر استدامة تحقق التوازن بين ضبط الإنفاق وحماية الفئات الأكثر تضررًا.

مستقبل الاقتصاد اللبناني

يبقى مستقبل الاقتصاد اللبناني مرتبطًا بقدرة الدولة على تجاوز الأزمات السياسية والأمنية بالتوازي مع تنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية. فاستمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في مؤشرات النمو والاستثمار ومستويات المعيشة، بينما يمكن أن يفتح تحقيق الاستقرار الباب أمام مرحلة جديدة من التعافي وإعادة البناء.

ورغم حجم التحديات، يمتلك لبنان مقومات اقتصادية وبشرية يمكن البناء عليها إذا ما توافرت الإرادة السياسية والإصلاحات المؤسسية اللازمة. ويبقى الرهان الأكبر على قدرة الدولة على استعادة ثقة المواطنين والأسواق، وإطلاق مسار تنموي يخفف من آثار الأزمات المتراكمة ويعيد الاقتصاد إلى مسار النمو المستدام.