دراسات وأبحاث

تريليونات الدولارات لتأمين النفوذ.. خريطة أكبر ميزانيات الدفاع في العالم

السبت 11 يوليو 2026 - 07:13 م
مصطفى سيد
الأمصار

تشهد خريطة الإنفاق العسكري العالمي تصاعدًا غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، في ظل تنامي التوترات الجيوسياسية، وعودة سباقات التسلح إلى الواجهة، وتزايد الاعتماد على التكنولوجيا المتقدمة في إدارة الصراعات الحديثة.

وبلغ إجمالي الإنفاق العسكري العالمي خلال عام 2025 نحو 2.6 تريليون دولار، في رقم يعكس حجم التحولات التي طرأت على مفهوم الأمن والدفاع، حيث لم تعد القوة العسكرية تعتمد فقط على أعداد الجنود والأسلحة التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بامتلاك منظومات الذكاء الاصطناعي، والطائرات المتطورة، والغواصات النووية، والصواريخ بعيدة المدى، وقدرات الحرب الإلكترونية.

وتتصدر الولايات المتحدة الأمريكية قائمة الدول الأعلى إنفاقًا على الدفاع بفارق كبير عن أقرب منافسيها، بعدما خصصت نحو 921 مليار دولار لميزانيتها العسكرية، أي ما يزيد على ثلث إجمالي الإنفاق العسكري العالمي، وفق بيانات تقرير "التوازن العسكري" الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

في المقابل، جاءت الصين في المركز الثاني بميزانية دفاعية بلغت نحو 251 مليار دولار، بينما احتلت روسيا المركز الثالث بإنفاق عسكري تجاوز 161 مليار دولار، في ظل استمرار التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى على النفوذ العالمي.

الولايات المتحدة.. الجيش الأغلى في العالم

تواصل الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها كصاحبة أكبر ميزانية دفاعية في العالم، حيث بلغ إنفاقها العسكري نحو 921.02 مليار دولار خلال عام 2025.

وتخصص واشنطن هذه الميزانية الضخمة للحفاظ على تفوقها العسكري عالميًا، سواء عبر تطوير الأسلحة الاستراتيجية، أو تحديث الأساطيل البحرية، أو تعزيز قدرات القوات الجوية والفضائية، إلى جانب الاستثمار في التكنولوجيا العسكرية المتقدمة.

وتبلغ ميزانية الدفاع الأمريكية للفرد نحو 2725 دولارًا، بينما تمثل النفقات العسكرية حوالي 3.01% من الناتج المحلي الإجمالي.

ويشير خبراء عسكريون إلى أن ضخامة الإنفاق الأمريكي لا ترتبط فقط بحجم القوات المسلحة، وإنما بانتشارها العالمي، إذ تمتلك الولايات المتحدة قواعد عسكرية في مناطق متعددة، وتحافظ على وجود عسكري في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

كما تستحوذ برامج تطوير المقاتلات المتقدمة، مثل الطائرات الشبحية، والغواصات النووية، وأنظمة الدفاع الصاروخي، على جزء كبير من الميزانية السنوية.

الصين.. صعود القوة العسكرية الثانية

جاءت الصين في المركز الثاني عالميًا بميزانية دفاعية بلغت 251.29 مليار دولار، وهو رقم يعكس التحول الكبير في القدرات العسكرية لبكين خلال العقود الماضية.

ورغم أن الإنفاق الصيني أقل بكثير من الإنفاق الأمريكي، فإن الصين تعمل على تطوير جيشها بوتيرة متسارعة، خاصة في مجالات القوة البحرية، والصواريخ بعيدة المدى، والفضاء، والذكاء الاصطناعي العسكري.

وتبلغ ميزانية الدفاع الصينية للفرد نحو 178 دولارًا، وتمثل حوالي 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتسعى بكين إلى بناء قوة عسكرية قادرة على حماية مصالحها الإقليمية، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في ظل التنافس المتزايد مع الولايات المتحدة حول النفوذ في آسيا.

روسيا.. إنفاق ضخم تحت ضغط الحرب

احتلت روسيا المركز الثالث عالميًا بميزانية دفاعية بلغت 161.18 مليار دولار، مع استمرار تركيز موسكو على تعزيز قدراتها العسكرية في ظل الصراع الممتد مع أوكرانيا والتوترات مع الغرب.

ويمثل الإنفاق العسكري الروسي نحو 6.34% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالعديد من القوى الكبرى.

وتعتمد روسيا على تطوير ترسانتها النووية، والصواريخ بعيدة المدى، والدفاعات الجوية، إلى جانب تحديث المعدات العسكرية المستخدمة في العمليات القتالية.

ورغم الفارق الكبير بينها وبين الولايات المتحدة والصين من حيث حجم الإنفاق، فإن موسكو لا تزال تمتلك واحدًا من أكبر الجيوش وأكثرها تسليحًا في العالم.

ألمانيا وبريطانيا.. أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية

جاءت ألمانيا في المركز الرابع عالميًا بميزانية دفاع بلغت 107.31 مليار دولار، في انعكاس لتغير السياسة الدفاعية الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.

وتسعى برلين إلى تعزيز قدراتها العسكرية بعد عقود من الاعتماد النسبي على الحماية الأمريكية ضمن حلف شمال الأطلسي.

أما المملكة المتحدة فجاءت في المركز الخامس بإنفاق عسكري بلغ 94.26 مليار دولار، مع استمرارها في تطوير قواتها البحرية والجوية، والحفاظ على قدراتها النووية.

وتبلغ ميزانية الدفاع البريطانية للفرد نحو 1371 دولارًا، فيما تمثل النفقات العسكرية حوالي 2.38% من الناتج المحلي الإجمالي.

الهند.. قوة آسيوية تتقدم

احتلت الهند المركز السادس عالميًا بميزانية دفاع بلغت 78.31 مليار دولار، في ظل مساعي نيودلهي لتعزيز مكانتها كقوة عسكرية كبرى في آسيا.

وتواجه الهند تحديات أمنية مرتبطة بحدودها مع الصين وباكستان، ما يدفعها إلى زيادة الاستثمار في تحديث قواتها المسلحة.

ورغم ضخامة الميزانية الإجمالية، فإن الإنفاق الدفاعي للفرد يبلغ نحو 55 دولارًا فقط، بسبب العدد السكاني الضخم للهند.

السعودية.. أكبر إنفاق دفاعي عربي

جاءت المملكة العربية السعودية في المركز السابع عالميًا بميزانية دفاع بلغت 72.53 مليار دولار، لتكون صاحبة أكبر إنفاق عسكري عربي ضمن القائمة.

ويمثل الإنفاق الدفاعي السعودي نحو 5.72% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة تعكس أهمية قطاع الدفاع في السياسة الأمنية للمملكة.

وتبلغ ميزانية الدفاع للفرد نحو 1951 دولارًا، حيث تستثمر الرياض في تطوير القوات الجوية، وأنظمة الدفاع الجوي، والتقنيات العسكرية الحديثة.

كما تعمل السعودية على تعزيز التصنيع العسكري المحلي ضمن خطط تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي.

فرنسا واليابان وأوكرانيا.. مراكز متقدمة

احتلت فرنسا المركز الثامن بميزانية دفاعية بلغت 70 مليار دولار، مع استمرارها في الحفاظ على قدراتها النووية وقواتها العسكرية المتطورة.

وجاءت اليابان في المركز التاسع بميزانية بلغت 58.91 مليار دولار، في ظل إعادة تقييم سياساتها الدفاعية بسبب التوترات في شرق آسيا.

أما أوكرانيا فجاءت في المركز العاشر بميزانية بلغت 44.45 مليار دولار، لكنها سجلت أعلى نسبة إنفاق دفاعي مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي بين الدول الكبرى، بنحو 21.19%.

ويعكس ذلك حجم الموارد التي توجهها كييف للجهد العسكري بسبب الحرب المستمرة.

الشرق الأوسط حاضر بقوة في سباق الإنفاق العسكري

تكشف القائمة العالمية وجود حضور واضح لدول الشرق الأوسط، حيث جاءت إسرائيل في المركز الثالث عشر بميزانية دفاع بلغت 39.68 مليار دولار، فيما احتلت الإمارات المركز الحادي والعشرين بإنفاق بلغ 21.68 مليار دولار.

كما ظهرت الجزائر في المركز التاسع عشر بميزانية دفاع بلغت 25.21 مليار دولار، وهي الأعلى عربيًا من حيث نسبة الإنفاق إلى الناتج المحلي الإجمالي، التي بلغت 8.75%.

وضمت القائمة أيضًا قطر في المركز الثاني والثلاثين بميزانية 10.11 مليار دولار، والكويت في المركز السابع والثلاثين بميزانية 8.19 مليار دولار، والعراق في المركز التاسع والعشرين بميزانية 12.68 مليار دولار، والمغرب في المركز الحادي والأربعين بميزانية 7.54 مليار دولار.

لماذا تختلف ميزانيات الدفاع بين الدول؟

لا تعكس قيمة الميزانية العسكرية وحدها قوة الجيش أو جاهزيته، إذ تختلف أولويات الدول وفق طبيعة التهديدات التي تواجهها وموقعها الجغرافي وأهدافها السياسية.

ويقول خبراء عسكريون إن بعض الدول تركز على امتلاك أسلحة متقدمة مثل الطائرات والغواصات والصواريخ، بينما تعتمد دول أخرى على جيوش ضخمة تحتاج إلى تمويل كبير بسبب نظام التجنيد الإجباري.

كما تلعب طبيعة التحالفات الدولية دورًا مهمًا، فالدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتمد بدرجات مختلفة على المظلة الدفاعية المشتركة، بينما تضطر دول أخرى إلى تحمل أعباء أمنية أكبر بشكل منفرد.

الناتو وسباق الوصول إلى 5% من الناتج المحلي

دفعت التوترات الدولية الأخيرة حلف شمال الأطلسي إلى إعادة النظر في مستويات الإنفاق الدفاعي، حيث اتفق الحلفاء على هدف جديد يقضي برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.

ويتضمن الهدف تخصيص 3.5% للإنفاق العسكري المباشر، إضافة إلى 1.5% لتطوير البنية التحتية المرتبطة بالدفاع.

ويعكس هذا التوجه عودة ملف الأمن العسكري إلى صدارة أولويات الدول الغربية، بعد سنوات شهدت خفضًا نسبيًا في الإنفاق الدفاعي عقب انتهاء الحرب الباردة.

ورغم أن الميزانية تعد مؤشرًا مهمًا على حجم القدرات العسكرية، فإنها لا تعني بالضرورة امتلاك الجيش الأكثر جاهزية أو كفاءة.

فالعوامل الأخرى، مثل الخبرة القتالية، والتدريب، والتكنولوجيا، والقدرة الصناعية، وطبيعة القيادة العسكرية، تلعب دورًا حاسمًا في تحديد القوة الفعلية لأي جيش.

ولهذا فإن سباق الإنفاق العسكري العالمي لا يعكس فقط حجم الأموال التي تنفقها الدول، بل يكشف أيضًا عن طبيعة الصراعات القادمة، حيث أصبحت السيطرة على التكنولوجيا والبيانات والفضاء جزءًا أساسيًا من معادلة القوة.

وتكشف قائمة أكبر 50 ميزانية دفاعية في العالم عن استمرار هيمنة الولايات المتحدة على المشهد العسكري، مع صعود الصين وروسيا كقوتين منافستين، وتزايد حضور دول آسيوية وشرق أوسطية في سباق تحديث الجيوش.

وبينما تواصل الدول الكبرى ضخ مليارات الدولارات في تطوير قدراتها العسكرية، يبقى العامل الحاسم في السنوات المقبلة هو مدى قدرة هذه الدول على تحويل الإنفاق الضخم إلى قوة استراتيجية حقيقية في عالم تتغير فيه طبيعة الحروب بسرعة غير مسبوقة.