دراسات وأبحاث

الخليج والعراق.. شراكة تتجاوز الاقتصاد إلى بناء منظومة أمن إقليمي مشتركة

الخميس 02 يوليو 2026 - 12:05 ص
جهاد جميل
الأمصار

تشهد العلاقات العراقية الخليجية مرحلة جديدة من التقارب السياسي والأمني، عكستها الزيارة الأخيرة للأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمد البديوي إلى بغداد، والتي حملت رسائل تتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد، لتؤكد تنامي القناعة لدى الجانبين بأن أمن العراق وأمن دول الخليج أصبحا جزءًا من منظومة مترابطة لا يمكن فصل عناصرها عن بعضها البعض

 

وتأتي هذه التحركات في ظل متغيرات إقليمية متسارعة، دفعت بغداد والعواصم الخليجية إلى تعزيز التنسيق المشترك في ملفات الأمن والاستقرار والتنمية، إلى جانب استمرار التعاون الاقتصادي والاستثماري الذي شهد نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة.

زيارة بغداد.. رسائل سياسية تتجاوز التهنئة

رغم أن زيارة الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاءت في إطار تهنئة القيادة العراقية بتشكيل الحكومة الجديدة، فإن اللقاءات التي جمعته بالرئيس العراقي نزار أوميدي ورئيس الوزراء علي الزيدي حملت أبعادًا سياسية واستراتيجية أوسع.

وتركزت المباحثات على تعزيز التعاون بين العراق ودول المجلس في مختلف المجالات، وبحث آليات دعم الاستقرار الإقليمي وتوسيع الشراكات الاقتصادية والأمنية، بما يحقق المصالح المشتركة ويخدم تطلعات شعوب المنطقة نحو التنمية والازدهار.

ويرى مراقبون أن الزيارة تعكس رغبة متبادلة في نقل العلاقات العراقية الخليجية إلى مرحلة أكثر شمولًا، تتجاوز الملفات الاقتصادية التقليدية نحو بناء شراكة استراتيجية طويلة المدى.

الرئيس العراقي: أمن الخليج والعراق وجهان لعملة واحدة

الرسالة الأبرز خلال الزيارة جاءت على لسان الرئيس العراقي نزار أوميدي، الذي أكد أن أمن العراق وأمن دول الخليج مترابطان ويكمل أحدهما الآخر، مشددًا على أن التعاون والتنسيق المشترك يمثلان ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والازدهار في المنطقة.

وأوضح أوميدي أن العراق يواصل نهجه القائم على الانفتاح والتعاون مع محيطه العربي والإقليمي، داعيًا إلى توسيع مجالات العمل المشترك وتعزيز التشاور المستمر بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك.

ويعكس هذا الموقف تحولًا ملحوظًا في الرؤية العراقية للعلاقات الإقليمية، حيث بات مفهوم الأمن الجماعي يحتل مساحة أكبر في الخطاب الرسمي العراقي، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المنطقة.

الزيدي: الخليج عمق العراق العربي

من جانبه، أكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن دول الخليج تمثل العمق العربي للعراق، مشيرًا إلى أن حكومته تضع تطوير العلاقات مع دول مجلس التعاون ضمن أولوياتها السياسية والاقتصادية.

وأوضح أن الحكومة العراقية تسعى إلى بناء دولة حديثة ذات اقتصاد قوي وسيادة كاملة، مع ترسيخ سيادة القانون وتعزيز التعاون مع المحيطين العربي والإقليمي.

وأكد الزيدي حرص بغداد على توسيع الشراكة مع دول الخليج في مختلف القطاعات، بما يسهم في دعم التنمية الاقتصادية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

إشادة خليجية بالإصلاحات العراقية

في المقابل، حملت تصريحات الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي رسائل دعم واضحة للحكومة العراقية الجديدة، حيث أشاد بالإصلاحات التي تنفذها بغداد، خاصة في ملفات الاقتصاد ومكافحة الفساد وتعزيز سلطة الدولة.

وأكد البديوي استعداد دول المجلس لتوسيع آفاق التعاون مع العراق في مختلف المجالات، معتبرًا أن استقرار العراق يمثل عنصرًا مهمًا في استقرار المنطقة بأكملها.

وتعكس هذه المواقف الخليجية اهتمامًا متزايدًا بدعم العراق سياسيًا واقتصاديًا، باعتباره شريكًا استراتيجيًا في المنظومة العربية والإقليمية.

من الاستثمار إلى الأمن الإقليمي

طوال السنوات الماضية، ارتكزت العلاقات العراقية الخليجية بشكل أساسي على التعاون الاقتصادي والاستثماري، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى انتقال هذه العلاقات إلى مستوى جديد يشمل التنسيق الأمني والسياسي.

ويأتي ذلك في ظل تحديات إقليمية متشابكة، تشمل أمن الطاقة، وحماية الممرات البحرية، وتأمين طرق التجارة الدولية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

كما أن توجه العراق نحو تعزيز سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية يتوافق مع الرؤية الخليجية الداعية إلى دعم الاستقرار وبناء مؤسسات قوية قادرة على مواجهة التحديات الأمنية.

تحديات مشتركة تتطلب تنسيقًا أوسع

تدرك بغداد والعواصم الخليجية أن التحديات الراهنة لم تعد محصورة داخل الحدود الوطنية، بل باتت ذات طابع إقليمي يستدعي تنسيقًا مستمرًا بين الدول.

وتشمل هذه التحديات حماية البنية التحتية للطاقة، وضمان أمن الملاحة البحرية، ومواجهة التنظيمات المتطرفة، فضلًا عن التعامل مع تداعيات الأزمات السياسية والأمنية في المنطقة.

ومن هنا تبرز أهمية بناء آليات تعاون أكثر فاعلية بين العراق ودول مجلس التعاون، بما يضمن الاستجابة السريعة للتحديات المشتركة وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

موقف عراقي داعم للتهدئة الإقليمية

وفي سياق متصل، جدد رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي دعم بلاده للجهود الرامية إلى ترسيخ التهدئة الإقليمية ودفع المسارات السياسية نحو تحقيق السلام والاستقرار.

وأكد الحلبوسي، خلال مشاركته في المؤتمر الثامن للبرلمان العربي ورؤساء المجالس والبرلمانات العربية بالقاهرة، أن المنطقة تواجه تحديات أمنية وسياسية متزايدة تتطلب تعزيز العمل العربي المشترك.

كما شدد على رفض العراق أي اعتداءات أو انتهاكات تمس سيادة الدول العربية أو تهدد أمنها واستقرارها، داعيًا إلى مواصلة الجهود الإقليمية والدولية الهادفة إلى تثبيت الأمن وتحقيق السلام الشامل.

مرحلة جديدة من العلاقات

تشير مجمل التصريحات واللقاءات التي شهدتها بغداد إلى أن العلاقات بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي تتجه نحو مرحلة أكثر عمقًا وشمولًا، تقوم على مفهوم الشراكة الاستراتيجية لا التعاون التقليدي فقط.

فإلى جانب ملفات الاستثمار والطاقة والتجارة، بات الأمن الإقليمي والتنسيق السياسي عنصرين أساسيين في هذه العلاقة المتنامية، وهو ما يعكس إدراكًا متبادلًا بأن استقرار العراق والخليج يمثل مصلحة مشتركة لجميع الأطراف.

ومع استمرار الانفتاح العراقي على محيطه العربي، تبدو الفرصة متاحة أمام بغداد ودول الخليج لبناء نموذج جديد من التعاون الإقليمي، يقوم على التكامل في مجالات الأمن والتنمية والاستثمار والطاقة، بما يعزز الاستقرار ويخدم مصالح شعوب المنطقة خلال السنوات المقبلة.