حذر الدكتور رائد العزاوي، مدير مركز الأمصار للدراسات السياسية والاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية، من أن الشارع العراقي يعيش حالة من القلق المزدوج إزاء مآلات الثورة الحكومية الأخيرة على الفساد، مرجحًا أن تكون هذه الحملة قد استهدفت "الأدوات" دون أن تطال "الرؤوس" الحقيقية المتحكمة في منظومة الفساد، وهو ما قد يهدد بفشل العملية برمتها أو انتهائها بتسويات ومواءمات بعيدة عن الإصلاح الجذري.
وأوضح العزاوي في تصريحات تلفزيونية عبر فضائية "العربية الحدث" أن الفساد في العراق ليس ظاهرة طارئة بل منظومة "بنيوية" ترسخت على مدى أكثر من عقدين من الزمن، مستفيدة من غطاء مسلح يحميها، إضافة إلى إجراءات وقوانين هشة سهّلت استمرارها، في ظل هيمنة إيرانية واسعة على المشهد العراقي ساهمت في تثبيت هذه المنظومة وتعميقها.
وأشار إلى أن العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران تفوق بعشرين مرة قسوة تلك التي سبق فرضها على العراق، إلا أن طهران تمكنت من الإفلات من تأثيرها عبر عمليات فساد ممنهجة طالت سوق العملة وتجارة شراء النفط، في إشارة إلى الدور الوظيفي الذي لعبه الفساد العراقي في خدمة المصالح الإيرانية.
وكشف العزاوي عن معطيات تفيد بأن أكثر من 60 شخصية داخل العراق ستكون عرضة للاعتقال خلال الـ24 ساعة المقبلة، على خلفية ارتباطها المباشر بعمليات فساد موثقة، مرجحًا في الوقت ذاته أن تنتهي هذه الثورة بنوع من "المواءمات أو المساومات" بدلًا من المحاسبة الكاملة.
ولفت العزاوي إلى أن البنك الفيدرالي الأمريكي أكد أن جميع الأموال الداخلة إلى العراق عبر مبيعات النفط مسجلة ومرصودة، موضحًا أن نحو 60 مليار دولار لم يتم تهريبها بعد إلى إيران.
وفي واقعة لافتة، أشار العزاوي إلى أن واشنطن رصدت إحدى دفعات الدولارات التي قدمتها للعراق وقد ظهرت لاحقًا في أفغانستان حيث استخدمت لشراء المخدرات والأفيون، وهو ما يكشف، بحسب تعبيره، عن منظومة فساد متكاملة تقف خلف بقاء مبلغ الـ60 مليار دولار دون تداول حتى الآن.
ورأى العزاوي أن المشهد العراقي يحمل تشابهًا كبيرًا مع ما شهدته إيطاليا عقب الحرب العالمية الثانية من انتشار عصابات المافيا، موضحًا أن العراق شهد توافد مجرمين ولصوص شكّلوا منظومة فساد مماثلة، تحصنت بالسلاح ووجدت لنفسها غطاءً تحت شعار "الحرب ضد داعش"، قبل أن يتحول هذا السلاح إلى أداة طيّعة في يد إيران والجهات التي تحميها بعض الدول.
وأضاف العزاوي أن منظومة السلاح الخارج عن إطار الدولة مُنحت، تحت وطأة القانون، نوعًا من الشرعية لحماية الأموال الفاسدة، كاشفًا عن وجود عمليات تهريب يومية للأموال خارج العراق بطرق غير قانونية، مؤكدًا أنه شاهد ذلك بنفسه في إحدى المرات داخل مطار بغداد، في صورة تعكس مدى تغلغل المال الفاسد في تقوية هذا السلاح.
وشدد العزاوي على ضرورة عدم الانشغال بمن تم اعتقالهم باعتبارهم مجرد "أدوات"، داعيًا إلى تفكيك المنظومة بأكملها عبر عدة مسارات متوازية: تفعيل الدعم الشعبي الموجود فعليًا، وتوظيف أدوات الصحفيين لتقديم المتورطين للعدالة، إضافة إلى مطالبة بعض رجال الدين الذين يوفرون غطاءً لهذه الشبكات برفع أيديهم عنها.
وختم العزاوي بالتأكيد على ضرورة مساندة حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لاتخاذ إجراءات أقوى وأشمل تطال رؤوس الفساد لا أطرافه فقط، محذرًا من أنه في حال لم يحظَ الزيدي بدعم داخلي وخارجي كافٍ، فلن يتمكن من اجتثاث الرؤوس الحقيقية التي أسهمت في بناء منظومة الفساد على مدى السنوات الماضية.