المغرب العربي

المبادرة الأمريكية تعيد تحريك مسار التسوية السياسية في ليبيا

الأحد 28 يونيو 2026 - 08:46 م
هايدي سيد
الأمصار

تشهد الساحة السياسية في ليبيا حراكًا متزايدًا مع تصاعد الحديث عن المبادرة الأمريكية الهادفة إلى إنهاء حالة الانقسام السياسي التي تشهدها البلاد منذ سنوات، وسط تباين في مواقف المحللين والخبراء بشأن فرص نجاحها وإمكانية إحداث اختراق حقيقي في الأزمة الليبية.

وتأتي هذه التحركات في ظل متغيرات إقليمية ودولية دفعت الولايات المتحدة إلى تكثيف اهتمامها بالملف الليبي، انطلاقًا من اعتبارات تتعلق باستقرار إنتاج النفط، والحفاظ على الأمن في المنطقة، والحد من تنامي نفوذ القوى الدولية المنافسة، إلى جانب السعي لإحياء العملية السياسية بعد سنوات من الجمود.

وبحسب ما يتم تداوله في الأوساط السياسية، تركز المبادرة الأمريكية على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، وتوحيد المؤسسات السيادية، وتهيئة الأجواء لإجراء انتخابات عامة، في إطار صيغة تستهدف تحقيق توازن بين مختلف القوى السياسية في شرق ليبيا وغربها، بما يضمن تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.

وفي هذا السياق، قلل المحلل السياسي الليبي جلال الشويهدي من أهمية ما يتم تداوله بشأن ترتيبات سياسية جديدة، مؤكدًا أن أغلب هذه المعلومات لا تستند إلى وثائق أو بيانات رسمية، وأن الحديث عن تحديد عواصم سياسية أو جداول زمنية للمرحلة المقبلة لا يتجاوز كونه اجتهادات إعلامية لا تعكس حقيقة المشهد السياسي.

في المقابل، قدم أستاذ العلوم السياسية الليبي أحمد المهدوي قراءة أوسع للأزمة، موضحًا أن جذورها تعود إلى مرحلة ما بعد انتخابات مجلس النواب، حيث تطور الانقسام السياسي تدريجيًا إلى أزمة معقدة تشمل الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية، خاصة منذ عام 2014.

وأشار المهدوي إلى أن أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة يتمثل في غياب رؤية واضحة لشكل الدولة ونظام الحكم، وهو ما أدى إلى استمرار حالة الغموض داخل مؤسسات الدولة، وأضعف قدرتها على أداء مهامها بصورة مستقرة.

وأضاف أن المبادرات الدولية السابقة، رغم كثرتها، لم تحقق نتائج ملموسة بسبب غياب آليات تنفيذ واضحة، وعدم وجود إرادة دولية حاسمة لإنهاء الأزمة، الأمر الذي جعل تلك المبادرات تركز على إدارة الأزمة بدلاً من حلها بشكل نهائي.

وأكد المهدوي أن أي تسوية سياسية يجب أن تراعي موازين القوى على الأرض، وأن تقتصر على الأطراف القادرة على تنفيذ الاتفاقات، محذرًا من أن توسيع دائرة المشاركين في الحوار دون ضوابط قد يؤدي إلى تعقيد المشهد السياسي بدلاً من تسهيله.

من جانبه، رأى مدير المركز الليبي للبحوث والتنمية السنوسي بسيكري أن المبادرة الأمريكية أصبحت الإطار الأبرز للنقاشات السياسية الحالية، خاصة فيما يتعلق بعمل مجموعة "4+4"، مع إمكانية إدخال تعديلات على بعض التفاهمات لاستيعاب الأطراف التي أبدت تحفظات خلال الفترة الماضية.

 

وأوضح بسيكري أن التقدم المحقق في ملف القوانين الانتخابية قد يشكل خطوة يمكن البناء عليها في ملف السلطة التنفيذية، لكنه شدد على أن نجاح أي اتفاق سيظل مرهونًا بتوفير ضمانات حقيقية لتنفيذه، في ظل تجارب سابقة لم يتم خلالها الالتزام بما تم الاتفاق عليه.

في المقابل، أبدى عدد من المحللين تفاؤلًا أكبر بالمبادرة الأمريكية، حيث أكد المحلل السياسي الليبي عمر بوأسعيدة أن الدعم الأمريكي يمنحها ثقلًا سياسيًا قد يسهم في تحويلها إلى خطوات عملية، معتبرًا أن المرحلة الحالية تتطلب حلولًا واقعية تضع مصلحة ليبيا فوق أي اعتبارات أخرى.

وأضاف أن التحركات الأمريكية ترتبط بمصالح استراتيجية، لكنها قد تفتح في الوقت نفسه نافذة جديدة أمام الليبيين لإنهاء حالة الجمود السياسي، خاصة مع وجود رغبة لدى عدد من الأطراف المحلية في الوصول إلى تسوية شاملة.

بدوره، أكد عضو المجلس الأعلى للدولة الليبي سعد بن شرادة أن المبادرة الأمريكية دخلت بالفعل مرحلة التنفيذ، مشيرًا إلى بدء اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية لدفع المسار السياسي، معتبرًا أن هذه التحركات تعكس مستوى أكبر من الجدية مقارنة بالمبادرات السابقة، مع التحذير من أن أي طرف يعرقل المسار قد يجد نفسه خارج الترتيبات المقبلة.

أما الخبير الاقتصادي الليبي فوزي عمار، فرأى أن المبادرة تمثل فرصة حقيقية لتحريك المشهد السياسي، لكنه شدد على أن نجاحها يتطلب تبني حلول واقعية، إلى جانب التوافق على أسس بناء الدولة، وإعادة توزيع الثروات، وتوحيد المؤسسات، باعتبارها ملفات أساسية لا يمكن تجاوزها.

وفي المجمل، تعكس المواقف المختلفة حالة من التباين بين الحذر والتفاؤل تجاه المبادرة الأمريكية، إلا أن غالبية الآراء تتفق على أن أي حل سياسي في ليبيا لن ينجح إلا إذا استند إلى توافق ليبي واسع، وضمانات تنفيذية واضحة، ودعم دولي فعال يترجم المبادرات المطروحة إلى خطوات عملية تنهي سنوات الانقسام وتمهد لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي.