لم تعد المناطيد عالية الارتفاع مجرد وسائل تستخدم في الأبحاث العلمية أو رصد الأحوال الجوية، بل أصبحت عنصرًا متقدمًا في سباق التسلح العالمي، بعدما اتجهت الولايات المتحدة إلى توظيفها ضمن منظومة متكاملة للمراقبة والاستطلاع والاستخبارات، في خطوة تعكس التحول الذي تشهده العقيدة العسكرية الأمريكية في مواجهة التحديات المتزايدة، وعلى رأسها تنامي القدرات العسكرية الصينية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ففي السنوات الأخيرة، تغيرت نظرة الجيوش الكبرى إلى طبقة الستراتوسفير، التي تقع على ارتفاعات شاهقة فوق المجال الجوي التقليدي، لتتحول إلى ساحة تنافس جديدة تمنح من يسيطر عليها أفضلية استخباراتية وعسكرية كبيرة، بفضل قدرتها على توفير مراقبة مستمرة، واتصالات مستقرة، وجمع معلومات دقيقة بتكاليف أقل مقارنة بالأقمار الصناعية والطائرات المأهولة.
وتكشف أحدث الخطوات التي اتخذها الجيش الأمريكي أن واشنطن لا تنظر إلى المناطيد باعتبارها مشروعًا تجريبيًا، وإنما باعتبارها أحد أهم مكونات منظومة الاستطلاع المستقبلية، في إطار استراتيجية أوسع تستهدف تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث تتصاعد المنافسة مع الصين على النفوذ العسكري والتكنولوجي.

وبحسب وثائق صادرة عن وكالة التعاقدات التابعة للجيش الأمريكي، تعمل المؤسسة العسكرية على شراء 15 منطادًا عالي الارتفاع، مزودة بأحدث أنظمة الاستشعار والاتصالات، في إطار خطة تستهدف إنشاء شبكة مراقبة دائمة قادرة على تغطية مساحات واسعة لفترات طويلة.
وتشير الوثائق إلى أن المشروع لا يزال في مرحلة دراسة السوق قبل طرح مناقصة رسمية، إلا أن المواصفات المطلوبة تعكس حجم الطموح الأمريكي في هذا المجال، إذ تسعى واشنطن إلى الحصول على مناطيد جاهزة أو قابلة للتعديل لتلائم الاستخدامات العسكرية المختلفة.
ومن المقرر أن يتم توزيع هذه المنظومة على قواعد القيادة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وفي مقدمتها قاعدة هاواي، التي تمثل أحد أهم مراكز القيادة العسكرية الأمريكية في المنطقة.
ورغم أن المناطيد استخدمت عسكريًا منذ عقود، فإن التطور الهائل في تقنيات الاستشعار والاتصالات أعاد إليها أهميتها الاستراتيجية.
فالمنطاد يستطيع البقاء في الجو أيامًا وربما أسابيع متواصلة، وهو ما يمنحه قدرة على مراقبة منطقة معينة بصورة مستمرة، بعكس الأقمار الصناعية التي تمر فوق الهدف لفترات محدودة، أو الطائرات المسيّرة التي تحتاج إلى العودة بشكل دوري للتزود بالطاقة أو الصيانة.
كما تتميز هذه المنصات بانخفاض تكلفة تشغيلها مقارنة بالطائرات المأهولة والأقمار الصناعية، وهو ما يجعلها خيارًا اقتصاديًا مناسبًا لتنفيذ مهام الاستطلاع بعيدة المدى.
ويرى خبراء الدفاع أن الجمع بين الارتفاع الكبير، والقدرة على البقاء لفترات طويلة، والتكلفة المنخفضة، يجعل المناطيد إحدى أكثر الوسائل كفاءة في جمع المعلومات الاستخباراتية.
لا يقتصر المشروع الأمريكي على شراء مناطيد فقط، بل يشمل تزويدها بحزمة متطورة من تقنيات الرصد والاستشعار.
وتتضمن هذه التجهيزات كاميرات تصوير كهروضوئية فائقة الدقة، وأنظمة تعمل بالأشعة تحت الحمراء لرصد التحركات الليلية، إلى جانب مستشعرات حرارية قادرة على اكتشاف الفروق الدقيقة في درجات الحرارة.
كما تشمل المنظومة أجهزة متقدمة لاستخبارات الإشارات، تستطيع التقاط وتحليل الترددات اللاسلكية والانبعاثات الكهرومغناطيسية، ورصد الاتصالات الجوية والعسكرية في نطاقات واسعة.
وتسعى الولايات المتحدة كذلك إلى تزويد هذه المناطيد بأنظمة مقاومة للتشويش الإلكتروني، بما يسمح لها بالعمل في البيئات القتالية المعقدة دون التأثر بمحاولات الحرب الإلكترونية.
من أبرز ما يميز المشروع اعتماد الجيش الأمريكي على شبكة "ستارلينك" الفضائية في نقل البيانات بشكل مباشر.
وتوفر هذه الشبكة اتصالًا عالي السرعة يسمح بإرسال الصور والمعلومات الاستخباراتية إلى مراكز القيادة فور جمعها، دون الحاجة إلى محطات وسيطة.
كما تشير المعطيات إلى أن المشروع سيستفيد أيضًا من شبكة "ستارشيلد" العسكرية، التي تم تطويرها لتلبية احتياجات وزارة الدفاع الأمريكية.
ويعكس هذا التوجه اعتماد الجيوش الحديثة بصورة متزايدة على البنية التحتية الفضائية التجارية في تنفيذ العمليات العسكرية.
حددت الوثائق العسكرية الأمريكية ثلاثة أنواع من المناطيد تختلف في الحجم والقدرة التشغيلية.
ويتضمن المشروع خمس وحدات من كل فئة، مع اختلاف عدد القطاعات المكونة للمنطاد، بما يسمح بحمل معدات متنوعة وفقًا لطبيعة المهمة.
أما الفئة الأكبر، فتستطيع التحليق على ارتفاع يتراوح بين 90 ألفًا و120 ألف قدم، وهو ارتفاع يضعها داخل طبقة الستراتوسفير، ويوفر لها مجال رؤية واسعًا للغاية.
كما يمنح هذا الارتفاع المنطاد قدرة على مراقبة مساحات بحرية وبرية شاسعة دون الحاجة إلى الاقتراب من مناطق الخطر.
ولم يأت المشروع الحالي من فراغ، بل يمثل امتدادًا لسنوات من التجارب العسكرية.
فخلال مناورات "فاليانت شيلد 24"، استخدم الجيش الأمريكي هذه المناطيد لتوفير معلومات استهداف دقيقة خلال عمليات إطلاق الصواريخ ضد أهداف بحرية متحركة.
وأثبتت التجربة قدرة هذه المنصات على الربط بين أنظمة الاستشعار ومنظومات النيران في الوقت الفعلي، وهو ما عزز ثقة المؤسسة العسكرية بإمكاناتها العملياتية.
كما سبق للجيش الأمريكي إطلاق برامج بحثية عديدة لتطوير منصات استطلاع تحلق في الستراتوسفير ضمن مشروع يعرف باسم "هيليوس"، الذي يستهدف إنشاء شبكة مراقبة بعيدة المدى منخفضة التكلفة.
مع انتقال المشروع من مرحلة الاختبارات إلى التطبيق، أنشأ الجيش الأمريكي مركزًا تدريبيًا متخصصًا داخل قاعدة لويس-ماكورد لتأهيل العسكريين على تشغيل المناطيد عالية الارتفاع.
وتشمل برامج التدريب عناصر من القوات الخاصة، ووحدات الحرب الإلكترونية، وخبراء الأرصاد الجوية، إضافة إلى مختصين في الاتصالات والاستخبارات.
ويؤكد إنشاء هذا المركز أن الولايات المتحدة تنظر إلى هذه التكنولوجيا باعتبارها جزءًا أساسيًا من عقيدتها العسكرية المستقبلية، وليس مجرد مشروع مؤقت.
يشهد المشروع منافسة بين عدد من الشركات الأمريكية المتخصصة في الصناعات الدفاعية.
وتبرز شركة "أوربان سكاي" باعتبارها أحد أبرز المرشحين لتوفير المناطيد، بفضل قدرتها على إنتاج منصات قادرة على حمل معدات يصل وزنها إلى نحو 50 رطلًا والتحليق حتى ارتفاع 70 ألف قدم.
كما تدخل شركات أخرى مثل "أيرو ستار" و"سييرا نيفادا" سباق تطوير حلول متقدمة تشمل الحرب الإلكترونية، والاستطلاع، ونقل البيانات، وتشغيل أنظمة الاتصالات بعيدة المدى.
ويرى مراقبون أن الصين تمثل السبب الرئيسي وراء تسريع هذا المشروع.
فبكين حققت خلال السنوات الأخيرة تقدمًا ملحوظًا في تطوير المنصات الأخف من الهواء، كما عملت على دمجها مع الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستشعار بعيدة المدى.
وزادت حادثة المنطاد الصيني الذي حلق فوق الأراضي الأمريكية عام 2023 من قناعة المؤسسات العسكرية الأمريكية بأن الستراتوسفير أصبح ميدانًا جديدًا للصراع الاستخباراتي.
ومنذ ذلك الحين، كثفت واشنطن استثماراتها في تطوير وسائل قادرة على توفير حضور دائم في هذه الطبقة الجوية، بما يضمن متابعة التحركات العسكرية الصينية بصورة مستمرة.
يرى خبراء الدفاع أن الحروب المستقبلية لن تعتمد فقط على المقاتلات الشبحية أو الأقمار الصناعية، بل ستشهد حضورًا متزايدًا لمنصات الستراتوسفير، التي تجمع بين انخفاض التكلفة والقدرة على البقاء طويلًا في الجو.
كما يمكن لهذه المنصات أن تؤدي أدوارًا متعددة، تشمل المراقبة، والاستطلاع، والحرب الإلكترونية، ودعم الاتصالات، وحتى إطلاق طائرات مسيّرة أو ذخائر دقيقة في بعض السيناريوهات العسكرية.
ومع استمرار التنافس بين الولايات المتحدة والصين في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء والطائرات المسيّرة، يبدو أن المناطيد الذكية أصبحت عنصرًا جديدًا في معادلة الردع العسكري.
تكشف التحركات الأمريكية الأخيرة أن طبقة الستراتوسفير لم تعد مجرد فضاء جوي مرتفع، بل تحولت إلى ساحة تنافس استراتيجية بين القوى الكبرى.
فالجيش الأمريكي يعمل على بناء منظومة تمنحه مراقبة مستمرة وقدرة استخباراتية بعيدة المدى، بينما تواصل الصين تطوير برامج مماثلة، في سباق يعكس طبيعة الحروب الحديثة التي أصبحت تعتمد على السيطرة على المعلومات قبل السيطرة على الأرض.
وبينما لم تعلن واشنطن رسميًا تشغيل أسطول عملياتي واسع من هذه المناطيد، فإن المؤشرات تؤكد أن المشروع تجاوز مرحلة التجارب، ليدخل مرحلة التنفيذ الفعلي، في خطوة قد تعيد رسم ملامح الصراع العسكري خلال السنوات المقبلة، وتجعل من "مناطيد الستراتوسفير" أحد أبرز أسلحة القرن الحادي والعشرين.