دراسات وأبحاث

هل تصبح أنقرة التحدي الاستراتيجي الجديد؟

الخميس 25 يونيو 2026 - 11:55 ص
ابراهيم ياسر
تصاعد المخاوف الإسرائيلية من النفوذ التركي..
الأمصار

تشهد الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية في إسرائيل خلال الفترة الأخيرة حالة متزايدة من القلق تجاه الدور التركي المتنامي في الشرق الأوسط، في ظل تقديرات ترى أن أنقرة لم تعد مجرد منافس سياسي أو إقليمي، بل تتجه تدريجيًا إلى التحول نحو تهديد استراتيجي قد يفوق في بعض جوانبه التحديات التي تمثلها إيران.

هل ترى تركيا في إسرائيل منافسًا أم شريكًا في صياغة شرق أوسط جديد بعد انحسار  النفوذ الإيراني - True Studies

وتأتي هذه المخاوف في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة، تتداخل فيها التغيرات في السياسة الأمريكية مع إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، الأمر الذي يدفع المؤسسات الإسرائيلية إلى إعادة تقييم طبيعة التهديدات المستقبلية ومصادرها.

التحولات الأمريكية تثير القلق في إسرائيل

سلطت وسائل إعلام إسرائيلية الضوء على ما وصفته بتغيرات ملحوظة في موقف الإدارة الأمريكية تجاه إسرائيل، معتبرة أن هذه التحولات قد تنعكس بصورة مباشرة على البيئة الاستراتيجية التي تعتمد عليها تل أبيب في إدارة ملفاتها الإقليمية.

وفي هذا السياق، أشارت صحيفة "معاريف" إلى أن التبدلات في السياسة الأمريكية قد تفتح الباب أمام صعود قوى إقليمية أخرى، وفي مقدمتها تركيا، خاصة في ظل التساؤلات المتزايدة حول الكيفية التي ستتعامل بها واشنطن مع التوسع التركي المستمر في المنطقة، مع الأخذ في الاعتبار أن أنقرة لا تزال عضوًا رئيسيًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما يمنحها وضعًا مختلفًا عن بقية الخصوم التقليديين لإسرائيل.

القدرات العسكرية التركية في دائرة الاهتمام الإسرائيلي

تعزز التطورات العسكرية التي شهدتها تركيا خلال السنوات الماضية من حجم المخاوف داخل إسرائيل، حيث نجحت أنقرة في بناء قوة عسكرية متطورة جعلت جيشها يحتل المرتبة الثانية داخل حلف الناتو من حيث الحجم بعد الولايات المتحدة.

ولا يقتصر الأمر على القوة البشرية فحسب، بل يمتد إلى التطور الملحوظ في الصناعات الدفاعية التركية، التي أصبحت توفر نسبة كبيرة من احتياجات القوات المسلحة محليًا، الأمر الذي منح صناع القرار الأتراك هامشًا أوسع من الاستقلالية في اتخاذ القرارات العسكرية والسياسية.

وتبرز الطائرات المسيّرة التركية كأحد أهم عناصر القوة الجديدة لأنقرة، خاصة بعد نجاحها في عدد من النزاعات الإقليمية، حيث أثبتت فعاليتها في ساحات مختلفة. كما تراقب إسرائيل عن كثب التوسع المتواصل في قدرات البحرية التركية، خصوصًا في منطقة شرق البحر المتوسط التي تمثل أهمية استراتيجية للطرفين.

قراءة إسرائيلية لتراجع نفوذها في واشنطن

تشير بعض التقديرات الإسرائيلية إلى أن تركيا تنظر بإيجابية إلى مؤشرات التقارب أو التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، باعتبارها دليلًا على تراجع نسبي في قدرة إسرائيل على التأثير في القرارات الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط.

وترى هذه التحليلات أن أنقرة تتابع التحولات الجارية في العلاقات الدولية والإقليمية باعتبارها فرصة لتعزيز حضورها السياسي والاستراتيجي، مستفيدة من المتغيرات التي قد تؤدي إلى إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل المنطقة.

كما تعتقد دوائر إسرائيلية أن أي تراجع في النفوذ التقليدي لتل أبيب داخل واشنطن قد ينعكس بصورة مباشرة على قدرتها في مواجهة التحركات التركية المتزايدة على أكثر من جبهة إقليمية.

Strategiecs Think Tank - المشهد الجيوسياسي السوري في ظل التنافس الإسرائيلي- التركي

تركيا وإيران.. تهديدان بطبيعة مختلفة

رغم تكرار بعض الأصوات الإسرائيلية لعبارة "تركيا هي إيران الجديدة"، فإن العديد من مراكز الدراسات الاستراتيجية في إسرائيل تؤكد أن المقارنة بين البلدين ليست دقيقة بشكل كامل.

فبحسب تقديرات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، تختلف طبيعة التحدي التركي عن نظيره الإيراني بصورة جوهرية. فتركيا تحتفظ بعلاقات واسعة مع الغرب، وتتمتع بعضوية حلف الناتو، كما ترتبط بشبكة من المصالح السياسية والاقتصادية مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وهو ما يجعل التعامل معها أكثر تعقيدًا من التعامل مع إيران.

وتتمحور المخاوف الإسرائيلية بشكل خاص حول النفوذ التركي المتزايد في ملفات حساسة مثل سوريا وقطاع غزة، بالإضافة إلى احتمال حصول أنقرة على دور مؤثر في الترتيبات السياسية والأمنية التي قد تنشأ بعد انتهاء الصراعات الحالية في المنطقة.

سوريا والعراق.. ساحات محتملة لتوسع النفوذ التركي

تعتقد دوائر إسرائيلية أن أي تقليص محتمل للوجود الأمريكي في سوريا أو العراق قد يمنح تركيا مساحة أكبر للتحرك وتعزيز نفوذها الإقليمي بالقرب من الحدود الإسرائيلية.

وتشير تقديرات نشرتها صحيفة "يديعوت أحرنوت" إلى أن المشهد الإقليمي يشهد تغيرات قد تفضي إلى إعادة رسم خريطة التحالفات وموازين القوى، بما يسمح لأنقرة بتوسيع حضورها السياسي والعسكري في عدد من الملفات الاستراتيجية.

ويعزز هذا التصور الاعتقاد بأن المنطقة قد تتجه نحو مرحلة جديدة تكون فيها تركيا لاعبًا رئيسيًا في صياغة التوازنات الإقليمية، بدلًا من الأدوار التقليدية التي هيمنت على المشهد خلال العقود الماضية.

خيارات إسرائيل لمواجهة التمدد التركي

في ضوء هذه التقديرات، تدعو بعض المؤسسات الأمنية ومراكز الدراسات الإسرائيلية إلى تبني استراتيجية استباقية للتعامل مع النفوذ التركي المتنامي.

وتشمل هذه الاستراتيجية تعزيز العمل السياسي والدبلوماسي داخل الولايات المتحدة، وتوسيع نطاق التعاون مع الحلفاء الإقليميين والدوليين، إلى جانب رفع مستوى الجاهزية العسكرية تحسبًا لأي تطورات مستقبلية قد تؤثر على المصالح الإسرائيلية.

كما تشير بعض التقديرات إلى أن إسرائيل قد تلجأ إلى اتخاذ إجراءات ردعية إذا رأت أن الحضور العسكري التركي في بعض المناطق الإقليمية تجاوز حدودًا تعتبرها مهددة لأمنها القومي، في محاولة لوضع خطوط حمراء واضحة أمام التحركات التركية المستقبلية.

وفي المجمل، تعكس هذه النقاشات حجم التحول الذي طرأ على النظرة الإسرائيلية لتركيا، حيث لم تعد تُنظر إليها باعتبارها مجرد دولة ذات خلافات سياسية مع تل أبيب، بل كقوة إقليمية صاعدة قد تلعب دورًا مؤثرًا في إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.