تشهد الساحة اللبنانية تطورًا دبلوماسيًا وأمنيًا لافتًا، في وقت تتداخل فيه التحركات الدولية مع التوترات الميدانية المتصاعدة في جنوب البلاد، ما يعكس مرحلة شديدة الحساسية في مسار الصراع بين لبنان وإسرائيل، وسط محاولات مكثفة لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق الأوضاع نحو تصعيد أوسع.
وفي هذا السياق، برزت ما باتت تُعرف إعلاميًا بـ"تفاهمات سويسرا"، التي أعادت طرح فكرة إنشاء آلية دولية جديدة تحت مسمى "خلية ثلاثية"، تضم الولايات المتحدة الأمريكية ولبنان وإيران، بهدف متابعة تنفيذ التهدئة في الجنوب اللبناني، وضبط أي خروقات محتملة لوقف إطلاق النار.

وكشفت الرئاسة اللبنانية أن الرئيس جوزيف عون تلقى اتصالًا من نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، جرى خلاله بحث آخر التطورات المتعلقة بالوضع في لبنان، إضافة إلى نتائج الاجتماعات التي استضافتها سويسرا مؤخرًا.
وخلال الاتصال، أكد المسؤولان الأمريكيان دعم بلادهما لمؤسسات الدولة اللبنانية، خصوصًا في ما يتعلق بتمكين الجيش والقوى الأمنية من بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، باعتباره مدخلًا أساسيًا للاستقرار.
كما شددا على استمرار متابعة تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها، والتي تتضمن العمل على إنشاء آلية تنسيقية جديدة لمراقبة وقف إطلاق النار.
تعد فكرة "الخلية الثلاثية" أحد أبرز مخرجات التحركات الدبلوماسية الأخيرة، حيث يُتوقع أن تضم ممثلين عن الولايات المتحدة ولبنان وإيران، بهدف مراقبة وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، والتأكد من الالتزام بالإجراءات المتفق عليها.
وبحسب المعطيات الأولية، فإن هذه الآلية لا تزال قيد الدراسة من حيث الشكل النهائي وطبيعة الصلاحيات، في ظل تعقيدات سياسية وأمنية تجعل تنفيذها أمرًا غير سهل.
ويشير مراقبون إلى أن أهمية هذه الخلية لا تكمن فقط في تشكيلها، بل في كونها محاولة غير مسبوقة لإشراك أطراف متناقضة سياسيًا في إطار واحد لإدارة خفض التصعيد، وهو ما يعكس حجم التعقيد الذي وصلت إليه الأزمة اللبنانية – الإسرائيلية.
بالتوازي مع الحراك الدبلوماسي، تنطلق في واشنطن جولة خامسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، بمشاركة وفود دبلوماسية وعسكرية، ضمن مسار متابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار السابق.
وتأتي هذه الجولة في ظل استمرار التوتر الميداني في الجنوب، وعدم تحقيق اختراق حقيقي في الجولات السابقة، ما يجعل التوقعات حذرة بشأن إمكانية الوصول إلى اتفاق نهائي في هذه المرحلة.
وتسعى الأطراف الراعية للمفاوضات إلى تحقيق تقدم في ملفات حساسة، أبرزها ضبط الحدود الجنوبية، وآليات منع التصعيد، وترتيبات الأمن في المناطق المتنازع عليها.
في المقابل، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن لبنان يدخل هذه المرحلة التفاوضية من موقع التمسك الكامل بالسيادة الوطنية، مشددًا على أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تضمن إنهاء الاحتلال في الجنوب بشكل كامل.
وأشار عون إلى أن لبنان لا يمكن أن يقبل بنصف حلول أو ترتيبات مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة، معتبرًا أن استعادة السيادة الكاملة تمثل الهدف الأساسي لأي مفاوضات جارية.
كما عبّر عن أمله في أن تكون الجولة الحالية من المحادثات خطوة حاسمة نحو إنهاء حالة التوتر المستمرة في الجنوب.
على الأرض، لا تزال التطورات الميدانية تلقي بظلالها على المسار السياسي، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ عملية إطلاق نار تجاه عناصر من حزب الله، بعد اجتيازهم ما وصفه بـ"المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان.
وبحسب البيان الإسرائيلي، فإن العناصر استخدموا معدات وآليات في منطقة مرتفعة قبل دخولهم نطاقًا تعتبره إسرائيل منطقة محظورة، ما أدى إلى إطلاق النار بهدف "إزالة التهديد".
في المقابل، يظل الموقف اللبناني الرسمي متحفظًا، في وقت تشير فيه التطورات إلى استمرار حالة التوتر وعدم الاستقرار على طول الحدود الجنوبية.
لا يمكن فصل الأزمة اللبنانية عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تلعب كل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية دورًا مباشرًا في تشكيل موازين القوى في المنطقة، بما ينعكس على مسار التهدئة في لبنان.
ويرى محللون أن أي تقدم في ملف الجنوب اللبناني سيكون مرتبطًا بشكل وثيق بنتائج التفاهمات الأوسع بين القوى الإقليمية والدولية، ما يجعل الحل النهائي مرهونًا بتعقيدات تتجاوز الحدود اللبنانية.
وتعكس التطورات الحالية حالة من التناقض بين مسارين متوازيين: مسار دبلوماسي نشط في العواصم الدولية، يقابله تصعيد ميداني متكرر على الأرض.
هذا التداخل يجعل مهمة تثبيت وقف إطلاق النار أكثر تعقيدًا، ويضع الأطراف المعنية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع مستقر على الأرض.
ويحذر خبراء من أن استمرار الفجوة بين المسارين السياسي والعسكري قد يؤدي إلى انهيار أي اتفاقات جزئية ما لم يتم دعمها بآليات تنفيذ واضحة وفعالة.
رغم التحديات الكبيرة، يرى البعض أن "الخلية الثلاثية" تمثل فرصة جديدة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك في الجنوب اللبناني، خصوصًا إذا ما تم تفعيلها بصلاحيات واضحة وآليات رقابة دقيقة.
لكن في المقابل، تبقى المخاوف قائمة من أن تتحول هذه المبادرة إلى إطار نظري دون تأثير فعلي على الأرض، في حال غياب الإرادة السياسية الكافية لدى الأطراف المعنية.
يبقى المشهد في جنوب لبنان مفتوحًا على أكثر من سيناريو، بين إمكانية تثبيت تهدئة تدريجية عبر آليات دولية جديدة، وبين احتمالات تصعيد ميداني قد يعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة.
وفي ظل هذا الواقع المعقد، يظل السؤال الأهم قائمًا:
هل تستطيع “الخلية الثلاثية” أن تتحول من فكرة دبلوماسية إلى أداة فعلية لوقف النار، أم أن تعقيدات الميدان ستظل أقوى من كل التفاهمات الدولية؟