دراسات وأبحاث

آندي بيرنهام.. من «ملك الشمال» إلى المرشح الأوفر حظاً لقيادة بريطانيا

الثلاثاء 23 يونيو 2026 - 06:04 ص
كتب- كريم الزعفراني
آندي بيرنهام
آندي بيرنهام

بعد محاولتين غير ناجحتين للوصول إلى زعامة حزب العمال البريطاني، يبدو أن الفرصة الثالثة قد تكون مختلفة بالنسبة لآندي بيرنهام، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة من شخصية حزبية بارزة إلى أحد أكثر السياسيين شعبية داخل الحزب وخارجه، وسط توقعات متزايدة بإمكانية وصوله إلى رئاسة الوزراء.

 

وجاءت هذه التطورات عقب استقالة السير كير ستارمر من قيادة الحزب، في وقت حظي فيه بيرنهام بدعم عدد من النواب البارزين، إضافة إلى تأييد شخصيات مؤثرة داخل الحزب، من بينها وزير الصحة السابق ويس ستريتينج، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كأحد الطامحين للمنصب نفسه.

 

وتعززت فرص بيرنهام بشكل كبير بعد نجاحه في الانتخابات الفرعية بدائرة ماكرفيلد، حيث تمكن من الاحتفاظ بالمقعد لصالح حزب العمال متقدماً بفارق تجاوز تسعة آلاف صوت على حزب الإصلاح البريطاني، بينما ارتفعت نسبة التصويت للحزب في الدائرة من نحو 45 بالمئة في انتخابات 2024 إلى قرابة 55 بالمئة.

 

جذور عمالية مبكرة

 

وُلد آندي بيرنهام عام 1970 في مدينة ليفربول، ونشأ في قرية كولشيث بمقاطعة تشيشاير. وينتمي إلى عائلة ذات ميول عمالية واضحة؛ فوالده كان مهندساً في شركة الاتصالات البريطانية، بينما عملت والدته موظفة استقبال لدى طبيب عام، وكان كلاهما من الداعمين التقليديين لحزب العمال.

 

ويقول بيرنهام إن اهتمامه بالسياسة بدأ في سن مبكرة، إذ انضم إلى الحزب وهو في الرابعة عشرة من عمره متأثراً بمسلسل "Boys from the Blackstuff" الذي تناول معاناة العاطلين عن العمل في مدينة ليفربول خلال حقبة الثمانينيات.

 

إلى جانب اهتمامه السياسي، عُرف بيرنهام بشغفه بالرياضة، خاصة تشجيع نادي إيفرتون، كما تميز خلال سنوات الدراسة بنشاطه الرياضي ومشاركاته في لعبة الكريكيت على مستوى مدارس لانكشاير.

 

من كامبريدج إلى البرلمان

 

كان بيرنهام أول فرد من عائلته يلتحق بالجامعة، حيث درس الأدب الإنجليزي في جامعة كامبريدج. ورغم شعوره، بحسب ما ذكر لاحقاً، بصعوبة الاندماج في الأجواء الأكاديمية للنخبة البريطانية، فإنه تمكن من تجاوز تلك المرحلة، مستنداً إلى اهتمامه بالموسيقى المستقلة القادمة من شمال إنجلترا، والتي اعتبرها جزءاً من هويته الشخصية.

 

وبعد التخرج، عمل في مجال الصحافة المتخصصة قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي كباحث برلماني، ثم مستشار خاص في وزارة الثقافة، لينتخب عام 2001 نائباً عن دائرة لي في مانشستر الكبرى.

 

وخلال عهد رئيسي الوزراء توني بلير وغوردون براون، تدرج بيرنهام في عدة مناصب حكومية، شملت وزارة الثقافة ووزارة الصحة، إضافة إلى توليه منصب أمين عام الخزانة.

 

هيلزبره.. القضية التي صنعت جزءاً من صورته السياسية

 

من أبرز المحطات في مسيرته السياسية موقفه من كارثة هيلزبره، التي أودت بحياة 97 مشجعاً لنادي ليفربول عام 1989.

 

فخلال مشاركته في فعالية لإحياء ذكرى الضحايا عام 2009، تعرض بيرنهام لهتافات احتجاجية من الحاضرين، وهو ما دفعه لاحقاً إلى إثارة القضية داخل الحكومة والمطالبة بإعادة التحقيق فيها، الأمر الذي ساهم في فتح مسار قضائي جديد حول الحادثة.

 

إخفاقان في سباق الزعامة

 

عقب خسارة حزب العمال الانتخابات العامة عام 2010 واستقالة غوردون براون، خاض بيرنهام أول سباق له على زعامة الحزب، لكنه حل رابعاً وخسر أمام إد ميليباند.

 

وفي عام 2015، عاد للمنافسة مجدداً، إلا أن الفوز ذهب هذه المرة إلى جيريمي كوربين، رغم الجهود التي بذلها بيرنهام لتعزيز حضوره داخل قواعد الحزب.

 

وخلال تلك الفترة، واجه انتقادات من بعض خصومه الذين وصفوه بأنه يغير مواقفه السياسية تبعاً للظروف. واستشهد المنتقدون بمواقفه من قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إذ كان من الداعمين للبقاء داخل الاتحاد، قبل أن يتبنى لاحقاً خطاباً أكثر حذراً تجاه فكرة العودة إليه، مراعاةً لمواقف الناخبين في بعض المناطق المؤيدة لـ"بريكست".

 

«ملك الشمال»

 

شكل عام 2017 نقطة تحول مهمة في مسيرة بيرنهام عندما غادر البرلمان للترشح لمنصب أول عمدة منتخب لمانشستر الكبرى.

 

وحقق فوزاً مريحاً بأكثر من 60 بالمئة من الأصوات، قبل أن يعزز موقعه بإعادة انتخابه عام 2021 بأغلبية أكبر.

 

وخلال فترة توليه المنصب، اكتسب شهرة واسعة بفضل مشروع "شبكة النحل" للنقل العام، الذي أعاد تنظيم خدمات الحافلات وربطها بوسائل النقل الأخرى، ليصبح أول نموذج من نوعه خارج العاصمة لندن.

 

كما برز اسمه على المستوى الوطني خلال جائحة كورونا، عندما دخل في مواجهة مباشرة مع حكومة المحافظين بشأن إجراءات الإغلاق والدعم المالي المخصص لشمال إنجلترا، ما أكسبه شعبية كبيرة وأدى إلى إطلاق لقب "ملك الشمال" عليه.

 

طريق مفتوح نحو داونينج ستريت؟

 

مع تراجع أداء حزب العمال في الانتخابات المحلية الأخيرة، وتنامي شعبية حزب الإصلاح البريطاني في عدد من المناطق، عاد اسم بيرنهام بقوة إلى واجهة المشهد السياسي.

 

ورغم تعرضه لبعض الانتقادات بسبب مواقفه الاقتصادية وتصريحاته المتعلقة بالسياسات المالية الحكومية، فإن نجاحه في ماكرفيلد أعاد التأكيد على قدرته على استقطاب الناخبين التقليديين للحزب، خصوصاً في مناطق شمال إنجلترا.

 

واليوم، وبعد أكثر من عقد ونصف من المحاولات والطموحات السياسية، يجد بيرنهام نفسه أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق حلم طال انتظاره، يتمثل في قيادة حزب العمال والوصول إلى مقر رئاسة الوزراء في داونينج ستريت، مستفيداً من رصيده الشعبي وخبرته السياسية الطويلة، في لحظة مفصلية قد تعيد رسم مستقبل الحزب والحياة السياسية البريطانية.