أعلنت الحكومة البوليفية حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، في خطوة تعكس حجم الأزمة التي تعيشها الدولة الواقعة في أمريكا اللاتينية، بعد أكثر من ستة أسابيع من الاحتجاجات والإضرابات وقطع الطرق التي شلت العديد من المناطق وأثرت على حركة النقل والإمدادات والخدمات الأساسية.

وجاء القرار الذي أعلنه الرئيس البوليفي رودريغو باز في خطاب متلفز، بعد تصاعد حدة التوتر بين الحكومة وعدد من النقابات والمنظمات الاجتماعية، وسط أزمة اقتصادية تعد من الأصعب التي تواجهها البلاد خلال العقود الأخيرة.
وأكد الرئيس رودريغو باز أن قرار إعلان حالة الطوارئ جاء بعد استنفاد جميع محاولات التوصل إلى حلول عبر الحوار، مشيرًا إلى أن الحكومة نجحت في التوصل إلى تفاهمات مع بعض الجهات التي وصف مطالبها بالمشروعة، بينما اتهم أطرافًا أخرى باستخدام العنف والسعي إلى زعزعة الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.

وأوضح الرئيس أن السلطات لم تجد خيارًا آخر سوى اللجوء إلى إجراءات استثنائية من أجل الحفاظ على الأمن العام وضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة في ظل الاضطرابات المستمرة.
وتشهد بوليفيا منذ مطلع شهر مايو الماضي موجة من الاحتجاجات قادتها نقابات عمالية ومنظمات اجتماعية للمطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية وزيادة الأجور وضمان توفير الوقود بصورة منتظمة، إلى جانب انتقادات متصاعدة لأداء الحكومة في إدارة الأزمة الاقتصادية.

وتسببت الاحتجاجات في إغلاق عدد من الطرق الحيوية وتعطيل حركة النقل والتجارة في مناطق مختلفة، كما شهدت العاصمة لاباز ومدن أخرى مظاهرات حاشدة وأعمال عنف متفرقة زادت من الضغوط على الحكومة.
وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، أعلن الرئيس البوليفي في وقت سابق خفض راتبه بنسبة 50%، في خطوة رمزية هدفت إلى إظهار تضامن الحكومة مع المواطنين المتضررين من الأزمة الاقتصادية.
وجاء إعلان حالة الطوارئ بعد ساعات قليلة من توقيع اتفاق بين الحكومة والاتحاد العمالي الرئيسي في البلاد، تضمن وقف إجراءات التصعيد ورفع بعض أشكال الضغط والاحتجاج.
ورغم ذلك، استمرت منظمات وحركات أخرى في تنظيم فعاليات احتجاجية، الأمر الذي دفع السلطات إلى المضي قدمًا في تطبيق إجراءات الطوارئ، خشية اتساع نطاق الاضطرابات خلال الفترة المقبلة.
ويأتي القرار مستندًا إلى تعديلات تشريعية أقرها البرلمان البوليفي مؤخرًا، بعدما ألغى قانونًا كان يفرض قيودًا على إعلان حالة الطوارئ ويشترط موافقة الكونغرس عليها.

وبموجب هذه التعديلات، أصبح بإمكان الرئيس الحصول على صلاحيات أوسع تشمل تعبئة القوات المسلحة والمشاركة في حفظ الأمن الداخلي، إلى جانب فرض قيود مؤقتة على بعض الحريات المدنية إذا اقتضت الظروف الأمنية ذلك.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل تحولًا مهمًا في طريقة تعامل الدولة مع الاحتجاجات الحالية، خاصة مع تصاعد المخاوف من انزلاق البلاد إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار السياسي.
وتعيد التطورات الحالية إلى الأذهان أحداث عام 2019، عندما شهدت بوليفيا أزمة سياسية حادة أسفرت عن سقوط عشرات القتلى واستقالة الرئيس الاشتراكي السابق إيفو موراليس بعد احتجاجات واسعة شهدتها البلاد.
وعقب تلك الأحداث، تم فرض قيود على صلاحيات السلطة التنفيذية فيما يتعلق بإعلان حالات الطوارئ، بهدف منع تكرار التجاوزات التي شهدتها تلك الفترة.
لكن البرلمان عاد مؤخرًا لإلغاء تلك القيود، ما منح الحكومة الحالية مساحة أكبر للتحرك في مواجهة الأزمة الراهنة.
وفي خضم الأزمة، وجهت حكومة الرئيس رودريغو باز اتهامات مباشرة للرئيس السابق إيفو موراليس بالوقوف خلف التحركات الاحتجاجية الحالية، معتبرة أنه يسعى إلى تقويض النظام الديمقراطي وزعزعة الاستقرار السياسي.
ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه موراليس الابتعاد عن الظهور العلني، بالتزامن مع ملاحقات قضائية تلاحقه داخل البلاد، وهو ما زاد من حالة الجدل السياسي والانقسام بين مؤيديه ومعارضيه.
ومع دخول حالة الطوارئ حيز التنفيذ، تترقب الأوساط السياسية والشعبية في بوليفيا ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، خاصة في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية واتساع حالة الاحتقان الاجتماعي.
وبينما ترى الحكومة أن الإجراءات الاستثنائية ضرورية لاستعادة الاستقرار، تخشى منظمات حقوقية وقوى سياسية معارضة من أن تؤدي الصلاحيات الجديدة إلى تضييق مساحة الحريات وتصعيد المواجهة بين السلطة والمحتجين.
وفي جميع الأحوال، تبدو بوليفيا أمام مرحلة دقيقة قد تحدد مستقبل المشهد السياسي والاقتصادي في البلاد خلال السنوات المقبلة.