دراسات وأبحاث

ما فرص الأحزاب الإسلامية في انتخابات البرلمان الجزائري؟

السبت 20 يونيو 2026 - 11:57 ص
غاده عماد
الأمصار

تتجه الأنظار في الجزائر إلى الانتخابات التشريعية المقررة في الثاني من يوليو 2026، والتي ستحدد ملامح المجلس الشعبي الوطني الجديد، في استحقاق سياسي يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة التوازنات الحزبية التي تشهدها البلاد. وفي قلب هذا المشهد، تبرز الأحزاب الإسلامية بوصفها أحد أبرز الفاعلين السياسيين الساعين إلى تعزيز حضورهم داخل المؤسسة التشريعية، في ظل تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة تشهدها الجزائر خلال السنوات الأخيرة.

الانتخابات الجزائرية

ويشارك في هذه الانتخابات نحو 11 ألف مترشح يتنافسون على أكثر من 400 مقعد برلماني عبر مئات القوائم الانتخابية الحزبية والمستقلة، فيما يحق لنحو 24.7 مليون ناخب الإدلاء بأصواتهم داخل الجزائر وخارجها. وتعد الانتخابات المقبلة محطة مهمة لقياس حجم التأثير الشعبي للأحزاب الإسلامية، وعلى رأسها حركة مجتمع السلم، إلى جانب الأحزاب التي انشقت عنها خلال السنوات الماضية مثل حركة البناء الوطني وجبهة العدالة والتنمية.

الإسلاميون والرهان على تعزيز الحضور البرلماني

تنظر الأحزاب الإسلامية إلى الانتخابات التشريعية باعتبارها فرصة استراتيجية لتوسيع حضورها داخل مؤسسات الدولة وتعزيز دورها في صياغة السياسات العامة. فبعد سنوات من المشاركة السياسية المتواصلة، باتت هذه الأحزاب تدرك أن البرلمان يمثل إحدى أهم الساحات التي يمكن من خلالها التأثير في التشريعات والرقابة على الأداء الحكومي.

وتسعى حركة مجتمع السلم، التي تعد أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر، إلى استعادة زخمها السياسي من خلال حملة انتخابية تركز على كسب ثقة الناخبين وتعزيز رصيدها البرلماني. كما تأمل الأحزاب الإسلامية الأخرى في تحسين نتائجها الانتخابية السابقة، مستفيدة من الخبرة التنظيمية التي راكمتها خلال السنوات الماضية ومن حضورها في عدد من الولايات الجزائرية.

ولا يقتصر هدف هذه الأحزاب على زيادة عدد المقاعد فقط، بل يمتد إلى تعزيز مكانتها في المشهد السياسي الوطني وإثبات قدرتها على تمثيل شريحة واسعة من الناخبين الباحثين عن بدائل سياسية وبرامج تنموية أكثر فاعلية.

تحولات في أولويات الناخب الجزائري

شهدت الساحة السياسية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة تغيرات ملحوظة في طبيعة اهتمامات الناخبين. فبعد عقود من هيمنة الجدل الأيديولوجي بين التيارات الإسلامية والعلمانية، أصبحت القضايا الاقتصادية والاجتماعية أكثر حضورًا في النقاش العام.

وتتصدر ملفات البطالة وتحسين القدرة الشرائية وتوفير فرص العمل وتطوير الخدمات العامة أولويات المواطنين، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد. وقد دفعت هذه المتغيرات الأحزاب الإسلامية إلى مراجعة خطابها السياسي وتطوير برامجها الانتخابية بما يتناسب مع احتياجات الشارع الجزائري.

وتسعى هذه الأحزاب إلى تقديم نفسها كقوى سياسية تمتلك حلولًا عملية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، بدلاً من التركيز على الشعارات الأيديولوجية التي كانت تشكل جزءًا رئيسيًا من خطابها في مراحل سابقة. ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا لدى قياداتها بأن نجاحها الانتخابي بات مرتبطًا بقدرتها على إقناع الناخبين بجدوى برامجها التنموية أكثر من ارتباطه بخلفيتها الفكرية أو المرجعية الإسلامية.

تنافس داخل البيت الإسلامي

لا تقتصر المنافسة الانتخابية في الجزائر على الصراع التقليدي بين الأحزاب الإسلامية ونظيراتها الوطنية أو العلمانية، بل تمتد أيضًا إلى داخل التيار الإسلامي نفسه. فالأحزاب الإسلامية تدخل الانتخابات بقوائم وبرامج منفصلة، في ظل غياب تحالف انتخابي موحد يجمع مختلف مكوناتها.

وتسعى حركة مجتمع السلم إلى الحفاظ على موقعها كأكبر ممثل للتيار الإسلامي في الجزائر، بينما تعمل حركة البناء الوطني على توسيع نفوذها البرلماني وتعزيز حضورها السياسي. أما جبهة العدالة والتنمية فتراهن على استقطاب شريحة من الناخبين الباحثين عن خطاب سياسي يجمع بين المرجعية الإسلامية والمطالب الإصلاحية.

وتجعل هذه المنافسة الداخلية من الانتخابات الحالية اختبارًا حقيقيًا لتحديد الحزب الأكثر قدرة على تمثيل التيار الإسلامي داخل البرلمان المقبل، كما أنها تعكس استمرار الانقسامات التنظيمية والسياسية التي شهدها هذا التيار خلال العقدين الماضيين.

الأحزاب التقليدية.. منافس قوي يصعب تجاوزه

رغم الحضور الملحوظ للأحزاب الإسلامية، فإنها تواجه منافسة قوية من الأحزاب التقليدية التي ما زالت تحتفظ بقاعدة انتخابية واسعة وخبرة طويلة في إدارة الاستحقاقات الانتخابية.

وتأتي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي في مقدمة هذه القوى السياسية، حيث تمتلكان شبكات تنظيمية واسعة تمتد إلى مختلف الولايات والبلديات الجزائرية. كما تتمتعان بخبرة كبيرة في إدارة الحملات الانتخابية والتواصل مع الناخبين على المستوى المحلي.

ويمنح هذا الواقع الأحزاب التقليدية أفضلية نسبية في السباق الانتخابي، خاصة في المناطق التي ترتبط فيها العملية السياسية بعلاقات محلية وشبكات نفوذ اجتماعية راسخة. لذلك تجد الأحزاب الإسلامية نفسها مطالبة ببذل جهود إضافية من أجل توسيع قاعدتها الشعبية وتحقيق اختراقات انتخابية جديدة.

جدل قانوني حول إقصاء مرشحين

من أبرز القضايا التي أثارت الجدل خلال التحضير للانتخابات التشريعية مسألة استبعاد عدد من المرشحين استنادًا إلى المادة 200 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات.

وتنص هذه المادة على مجموعة من الشروط المرتبطة بالنزاهة والشفافية، بما في ذلك منع ترشح الأشخاص المرتبطين بشبهات فساد أو بممارسات يمكن أن تؤثر على نزاهة العملية الانتخابية. وقد أدى تطبيق هذه المادة إلى إقصاء عدد من المرشحين من أحزاب مختلفة، الأمر الذي أثار نقاشًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا حول آليات تطبيقها ومدى تأثيرها على التنافس الانتخابي.

ورغم أن هذا الجدل لا يقتصر على الأحزاب الإسلامية وحدها، فإنه يمثل تحديًا إضافيًا أمام مختلف القوى السياسية المشاركة في الانتخابات، خاصة في ظل المطالبات بضمان أعلى درجات الشفافية وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.

الشباب والعزوف الانتخابي

يمثل الشباب الجزائري الشريحة الأكبر داخل الكتلة الناخبة، وهو ما يجعل موقفه من الانتخابات عاملًا حاسمًا في تحديد نتائج الاستحقاق المقبل. إلا أن العديد من الدراسات والمؤشرات السياسية تشير إلى استمرار حالة من العزوف النسبي عن المشاركة السياسية بين فئات واسعة من الشباب.

ويرتبط هذا العزوف بعدة عوامل، من بينها ضعف الثقة في قدرة المؤسسات السياسية على إحداث تغيير ملموس في الواقع المعيشي، إضافة إلى تصاعد الاهتمام بالقضايا الاقتصادية والفرص المهنية على حساب الانخراط في العمل السياسي التقليدي.

وفي هذا السياق، تحاول الأحزاب الإسلامية تطوير أدواتها التواصلية والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الأجيال الجديدة. كما تركز برامجها الانتخابية على قضايا التشغيل والسكن وتحسين الظروف المعيشية بهدف جذب الشباب وإقناعهم بالمشاركة في العملية الانتخابية.

غير أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهونًا بقدرة الأحزاب على تقديم برامج واقعية قابلة للتطبيق، بعيدًا عن الخطابات العامة والوعود الانتخابية التقليدية.

سيناريوهات ما بعد الانتخابات

تشير التقديرات إلى أن الأحزاب الإسلامية قد تتمكن من تحسين مواقعها داخل البرلمان المقبل، خاصة إذا نجحت في استقطاب أصوات جديدة من الفئات المترددة أو غير المنخرطة سياسيًا. إلا أن تحقيق أغلبية برلمانية يبدو أمرًا صعبًا في ظل طبيعة النظام الحزبي الجزائري الذي يتسم بالتعددية وتوزع الأصوات بين عدد كبير من الأحزاب والقوائم المستقلة.

ومن المرجح أن تلعب التحالفات السياسية دورًا مهمًا في تحديد موازين القوى داخل البرلمان الجديد. فحتى في حال تحقيق نتائج إيجابية، ستظل الأحزاب الإسلامية بحاجة إلى بناء شراكات وتحالفات مع قوى سياسية أخرى من أجل تعزيز تأثيرها في التشريع والرقابة وصناعة القرار.

اختبار حاسم لمستقبل الإسلاميين

تمثل انتخابات البرلمان الجزائري لعام 2026 محطة مفصلية بالنسبة للأحزاب الإسلامية، ليس فقط لقياس حجم حضورها الشعبي، بل أيضًا لتقييم قدرتها على التكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها البلاد.

ففي وقت تتغير فيه أولويات الناخبين وتتراجع فيه الاعتبارات الأيديولوجية لصالح القضايا الاقتصادية والمعيشية، تجد هذه الأحزاب نفسها أمام تحدي إثبات قدرتها على تقديم حلول عملية وواقعية لمشكلات المجتمع. كما أن نتائج الانتخابات ستكشف إلى حد كبير مدى نجاحها في تجديد خطابها السياسي وتوسيع قاعدتها الانتخابية.

وبين طموح تعزيز الحضور البرلماني وصعوبة المنافسة مع الأحزاب التقليدية وتحديات العزوف الشعبي، تبقى الانتخابات المقبلة اختبارًا حقيقيًا لمستقبل التيار الإسلامي في الجزائر ولمكانته داخل المشهد السياسي خلال السنوات القادمة.