حوض النيل

أطفال الشوارع ضحايا الحرب الخفية في السودان.. تفاصيل

الخميس 18 يونيو 2026 - 04:20 م
هايدي سيد
الأمصار

تتفاقم أزمة أطفال الشوارع في السودان بصورة غير مسبوقة مع استمرار الحرب الدائرة في البلاد، وسط تحذيرات حقوقية وإنسانية من تحول آلاف الأطفال إلى ضحايا مباشرين للصراع بسبب التشرد والتجنيد القسري والانقطاع عن التعليم، في وقت تشهد فيه مؤسسات الحماية الاجتماعية تراجعًا حادًا نتيجة تداعيات النزاع المستمر.

وبحسب تقديرات ميدانية، ينتشر أكثر من 20 ألف طفل في شوارع ولاية الخرطوم وحدها، بينما تتزايد أعداد الأطفال المشردين في ولايات سودانية أخرى تأثرت بالحرب والنزوح. كما تشير التقديرات إلى تهجير ملايين الأطفال السودانيين منذ اندلاع الصراع، في حين فقد آلاف منهم أسرهم أو انفصلوا عنها بسبب العمليات العسكرية وحركات النزوح الواسعة.

ويرى مختصون في الشأن الإنساني أن ظاهرة أطفال الشوارع في السودان ليست جديدة، لكنها شهدت توسعًا غير مسبوق منذ اندلاع الحرب، نتيجة تداخل عوامل الفقر والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية وتراجع مؤسسات الرعاية الاجتماعية. وأدى هذا الواقع إلى دفع أعداد متزايدة من الأطفال نحو الشارع بحثًا عن المأوى أو الغذاء أو مصادر الدخل.

ويؤكد عاملون في المجال الإنساني أن غياب الحماية القانونية والاجتماعية جعل هؤلاء الأطفال أكثر عرضة للاستغلال بمختلف أشكاله، بما في ذلك التجنيد في الجماعات المسلحة أو استخدامهم في مهام مرتبطة بالنزاع. كما أن الظروف الاقتصادية الصعبة تدفع بعض الأطفال إلى الانخراط في أنشطة خطرة أملاً في الحصول على دخل يوفر لهم احتياجاتهم الأساسية.

وفي جانب آخر من الأزمة، يواجه قطاع التعليم السوداني تحديات كبيرة بسبب الحرب. فقبل اندلاع النزاع كان التعليم يعاني مشكلات تتعلق بضعف التمويل وتراجع البنية التحتية، إلا أن الحرب أدت إلى تفاقم الوضع بشكل أكبر، ما تسبب في خروج أعداد كبيرة من الأطفال من المدارس وحرمانهم من حقهم في التعليم.

ويشير خبراء تربويون إلى أن المدرسة لا تمثل مكانًا للتعليم فقط، بل تؤدي دورًا مهمًا في حماية الأطفال من مخاطر الشارع والانحراف والاستغلال. ولذلك فإن توقف العملية التعليمية في العديد من المناطق يفتح الباب أمام زيادة أعداد الأطفال المعرضين للتشرد أو الاستغلال في أعمال خطرة.

كما يحذر مختصون من التداعيات طويلة المدى لهذه الظاهرة على المجتمع السوداني، إذ إن استمرار وجود أعداد كبيرة من الأطفال خارج منظومة التعليم والرعاية قد يؤدي إلى ظهور جيل نشأ في بيئة يسودها العنف والحرمان، وهو ما قد يترك آثارًا اجتماعية واقتصادية وأمنية لسنوات طويلة بعد انتهاء الحرب.

من جانب آخر، تواجه المبادرات المحلية والمنظمات الإنسانية صعوبات كبيرة في تقديم الدعم اللازم لهذه الفئة بسبب اتساع نطاق الأزمة وضعف الإمكانات المتاحة. وعلى الرغم من وجود جهود تهدف إلى توفير الغذاء والمأوى والدعم النفسي للأطفال المتضررين، فإن الاحتياجات المتزايدة تفوق بكثير حجم الموارد المتوفرة.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن أطفال الشوارع في السودان يتعرضون لمخاطر متعددة تشمل سوء التغذية والعنف وتعاطي المخدرات والاستغلال الاقتصادي، فضلاً عن تعرض بعضهم للتجنيد أو استخدامهم في أعمال مرتبطة بالنزاع المسلح. كما أن غياب الرقابة وضعف مؤسسات الدولة يزيدان من صعوبة حماية هذه الفئة الهشة.

ويرى مراقبون أن معالجة الأزمة تتطلب تحركًا عاجلًا على المستويين المحلي والدولي، من خلال دعم برامج الحماية الاجتماعية وإعادة تأهيل الأطفال المتضررين وتوفير فرص التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي، إلى جانب تعزيز الجهود الرامية إلى الحد من آثار الحرب على المدنيين.

ومع استمرار الصراع في السودان، تبقى أوضاع أطفال الشوارع واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحًا، حيث يواجه آلاف الأطفال مستقبلاً غامضًا في ظل استمرار النزاع وتراجع الخدمات الأساسية، الأمر الذي يفرض تحديات كبيرة أمام المؤسسات الوطنية والمنظمات الدولية الساعية إلى حماية الطفولة وإنقاذ جيل كامل من تداعيات الحرب.