دراسات وأبحاث

كيف تنعكس التحديات الداخلية والإقليمية على نتائج الانتخابات الإثيوبية؟

الأربعاء 17 يونيو 2026 - 02:55 م
غاده عماد
الأمصار

شهدت إثيوبيا في الأول من يونيو 2026 استحقاقًا انتخابيًا مهمًا، حيث توجه أكثر من 50 مليون ناخب إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء البرلمان الفيدرالي والمجالس الإقليمية، في انتخابات تُعد من أكثر المحطات السياسية أهمية منذ وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018. وجاءت هذه الانتخابات في ظل ظروف داخلية وإقليمية معقدة، تتشابك فيها الأزمات الاقتصادية والتوترات الأمنية مع طموحات إثيوبيا الإقليمية المتزايدة.

وتشير أغلب التوقعات إلى تمكن حزب الازدهار الحاكم من الاحتفاظ بالأغلبية البرلمانية، بما يمنح آبي أحمد فرصة جديدة لقيادة البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة. غير أن الفوز الانتخابي، مهما كان حجمه، لا يعني انتهاء التحديات، بل ربما يمثل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا تتطلب معالجة ملفات داخلية شائكة وإعادة صياغة العلاقات الإقليمية بما يضمن استقرار الدولة ومكانتها في منطقة القرن الإفريقي.

انتخابات في ظل بيئة سياسية وأمنية مضطربة

جرت الانتخابات في وقت لا تزال فيه بعض المناطق الإثيوبية تعاني اضطرابات أمنية حالت دون إجراء التصويت بصورة كاملة. فقد تعذر تنظيم الانتخابات في إقليم تيجراي وأجزاء من إقليمي أمهرة وأوروميا بسبب استمرار التوترات والصراعات المسلحة، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى شمولية العملية الانتخابية وقدرتها على تمثيل جميع مكونات المجتمع الإثيوبي.

ورغم مشاركة عشرات الأحزاب السياسية وتحالف عدد من قوى المعارضة بهدف تعزيز حضورها داخل البرلمان، فإن المؤشرات الميدانية ترجح استمرار هيمنة حزب الازدهار على المشهد السياسي، مستفيدًا من ضعف المعارضة وتشتتها، إضافة إلى امتلاكه شبكة تنظيمية واسعة وقدرات مؤسسية تمكنه من الحفاظ على نفوذه في مختلف الأقاليم.

التحديات الاقتصادية تتصدر المشهد

يُعد الملف الاقتصادي التحدي الأكبر أمام الحكومة المقبلة، إذ تواجه إثيوبيا أزمة معيشية متفاقمة تؤثر بصورة مباشرة على حياة المواطنين. وعلى الرغم من تسجيل بعض مؤشرات النمو الاقتصادي وتحسن بعض المؤشرات الكلية، فإن الضغوط التضخمية لا تزال تشكل عبئًا كبيرًا على الأسر الإثيوبية.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 43% من السكان يعيشون تحت خط الفقر الوطني، بينما يعاني أكثر من 72% من الفقر متعدد الأبعاد. كما أدى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتراجع قيمة العملة المحلية إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة ملحوظة.

وقد سجلت أسعار المواد الغذائية زيادات كبيرة خلال الأشهر الماضية، ما انعكس على أسعار السلع الأساسية التي يعتمد عليها المواطن الإثيوبي بشكل يومي. وفي الوقت ذاته، تواجه الحكومة ضغوطًا ناتجة عن برامج الإصلاح الاقتصادي التي تنفذها بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية، والتي تتطلب إجراءات مالية ونقدية قد تكون لها انعكاسات اجتماعية واسعة.

ومن المرجح أن يركز آبي أحمد خلال ولايته الجديدة على تحقيق توازن دقيق بين مواصلة الإصلاحات الاقتصادية الضرورية لجذب الاستثمارات وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي، وبين تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

أزمة تيجراي.. سلام هش ومستقبل غامض

رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على توقيع اتفاق بريتوريا للسلام بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، فإن الإقليم لا يزال يشهد توترات سياسية وأمنية تعكس هشاشة التسوية القائمة.

وكان الاتفاق الذي وُقع في نوفمبر 2022 قد أنهى واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ إثيوبيا الحديث، إلا أن الخلافات المتعلقة بتنفيذ بنوده ما تزال قائمة. وتتمحور أبرز نقاط الخلاف حول الوضع السياسي لجبهة تحرير شعب تيجراي، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، وآليات إعادة دمج الإقليم في المؤسسات الفيدرالية.

وقد ازدادت حدة التوتر خلال العامين الماضيين بعد قرار الحكومة الفيدرالية إلغاء الوضع القانوني للجبهة كحزب سياسي، الأمر الذي منعها من المشاركة في الانتخابات الأخيرة. كما تتهم قيادات تيجراي الحكومة بعدم الالتزام الكامل ببعض بنود الاتفاق، خصوصًا ما يتعلق بإعادة الأراضي المتنازع عليها وإعادة ترتيب الأوضاع السياسية داخل الإقليم.

ومن المتوقع أن يشكل ملف تيجراي أحد أبرز اختبارات الولاية الجديدة لآبي أحمد، حيث سيكون مطالبًا بمنع عودة الصراع العسكري وتثبيت عملية السلام، لما لذلك من أهمية في دعم جهود التنمية الاقتصادية واستعادة ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين.

أمهرة وأوروميا.. بؤرتا التوتر المستمر

لا تقتصر التحديات الأمنية على تيجراي فقط، بل تمتد إلى إقليمي أمهرة وأوروميا اللذين يشكلان ثقلاً ديموغرافيًا وسياسيًا كبيرًا داخل إثيوبيا.

ففي إقليم أمهرة، تواصل ميليشيات فانو المسلحة مواجهاتها مع القوات الحكومية منذ قرار حل التشكيلات المسلحة المحلية وإعادة دمجها ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية. وترى هذه الجماعات أن القرار يهدد أمن الإقليم ويقلص من قدرته على الدفاع عن مصالحه.

وخلال الفترة التي سبقت الانتخابات، كثفت ميليشيات فانو عملياتها العسكرية واستهدفت بعض المنشآت والبنى المرتبطة بالعملية الانتخابية، ما أدى إلى تعليق التصويت في عدد من الدوائر الانتخابية.

أما في أوروميا، فتواصل قوات جيش تحرير أورومو نشاطها المسلح ضد الحكومة، مطالبة بمزيد من الحكم الذاتي وتمثيل أكبر لمصالح قومية الأورومو التي تُعد أكبر مجموعة عرقية في البلاد.

وتدرك الحكومة الإثيوبية أن الحل العسكري وحده قد لا يكون كافيًا لإنهاء هذه الصراعات، ولذلك يُتوقع أن تعتمد خلال المرحلة المقبلة على مزيج من الإجراءات الأمنية والحوار السياسي بهدف احتواء التوترات وتقليل فرص اتساع رقعة النزاعات.

طموحات إقليمية متزايدة

إلى جانب التحديات الداخلية، تواجه الحكومة الإثيوبية ملفات إقليمية معقدة ترتبط بمكانة البلاد ودورها في منطقة القرن الإفريقي.

ويبرز في هذا السياق ملف الوصول إلى البحر الأحمر باعتباره أحد أبرز أولويات السياسة الخارجية الإثيوبية. فمنذ سنوات يؤكد آبي أحمد أن وضع إثيوبيا كدولة حبيسة يمثل عائقًا استراتيجيًا أمام تطورها الاقتصادي ونموها التجاري.

وقد دفعت هذه الرؤية أديس أبابا إلى البحث عن خيارات متعددة للحصول على منفذ بحري يخفف اعتمادها على الموانئ الخارجية، سواء عبر التفاهمات مع ما يعرف بأرض الصومال أو من خلال الحديث المتكرر عن أهمية ميناء عصب الإريتري بالنسبة للمصالح الإثيوبية.

غير أن هذه التوجهات أثارت مخاوف إقليمية متزايدة، خاصة لدى دول الجوار التي تنظر بحذر إلى أي تحركات قد تؤدي إلى تغيير موازين القوى في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار الخطاب المرتبط بالحصول على منفذ سيادي على البحر إلى زيادة التوترات الدبلوماسية وربما الأمنية مع بعض دول المنطقة، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على جهود إثيوبيا الرامية إلى تعزيز علاقاتها الإقليمية وجذب الاستثمارات الأجنبية.

مستقبل آبي أحمد بين التفويض الشعبي وضغوط الواقع

في حال تأكد فوز حزب الازدهار بالأغلبية البرلمانية، فإن آبي أحمد سيحصل على تفويض سياسي جديد يسمح له بمواصلة مشروعه الإصلاحي وإدارة الملفات الوطنية الكبرى. غير أن هذا التفويض لن يكون كافيًا وحده لتحقيق الاستقرار ما لم يقترن بسياسات فعالة لمعالجة جذور الأزمات القائمة.

فنجاح الحكومة المقبلة سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرتها على تحسين الأوضاع الاقتصادية، واحتواء الصراعات الداخلية، وتعزيز المصالحة الوطنية، إلى جانب إدارة علاقاتها الإقليمية بحذر وتوازن.

كما أن حجم الأغلبية البرلمانية التي سيحصل عليها الحزب الحاكم سيكون عاملًا مؤثرًا في تحديد أولويات المرحلة المقبلة. فكلما اتسعت هذه الأغلبية ازدادت قدرة الحكومة على تنفيذ برامجها السياسية والاقتصادية، بينما قد تدفع أي مؤشرات على تراجع التأييد الشعبي إلى التركيز بصورة أكبر على الملفات الداخلية الأكثر إلحاحًا.

 

تمثل انتخابات 2026 محطة مفصلية في مسار الدولة الإثيوبية، ليس فقط لأنها تحدد شكل السلطة خلال السنوات المقبلة، بل لأنها تأتي في مرحلة تتشابك فيها تحديات الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية بصورة غير مسبوقة. وبينما تبدو فرص آبي أحمد في الاحتفاظ بالسلطة كبيرة، فإن النجاح الحقيقي لن يقاس بنتائج صناديق الاقتراع، وإنما بقدرته على تحويل هذا الفوز إلى استقرار سياسي وتنمية اقتصادية ومصالحة وطنية شاملة تعيد لإثيوبيا توازنها الداخلي وتعزز مكانتها الإقليمية في محيط يشهد تحولات متسارعة.