المغرب العربي

الجزائر في قلب التحول الطاقوي الأوروبي.. تفاصيل

الخميس 11 يونيو 2026 - 06:13 م
هايدي سيد
الأمصار

تسعى المفوضية الأوروبية إلى إعادة رسم خريطة أمنها الطاقوي من خلال استراتيجية جديدة تحمل اسم T-MED، تقوم على تعزيز التعاون بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط في مجالات الطاقات المتجددة والتكنولوجيات النظيفة، مع وضع دول جنوب المتوسط في قلب هذه الرؤية، وفي مقدمتها الجزائر التي برزت كعنصر محوري في خطط التحول الطاقوي الأوروبي.

وتستند هذه الاستراتيجية، التي تأتي ضمن “ميثاق المتوسط” الذي أُطلق في مدينة برشلونة عام 2025، إلى تعبئة استثمارات تُقدّر بنحو 25 مليار يورو بحلول عام 2035، بهدف إنشاء ممر طاقوي أخضر يربط بين شمال وجنوب المتوسط، ويسهم في تزويد أوروبا بالكهرباء النظيفة المنتجة من مصادر متجددة في دول تتمتع بقدرات طبيعية كبيرة مثل الإشعاع الشمسي المرتفع وطاقة الرياح المستمرة.

وفي هذا السياق، تشير تقديرات أوروبية إلى أن منطقة جنوب المتوسط تمتلك قدرة إنتاجية هائلة في مجال الطاقات المتجددة قد تتجاوز 2300 غيغاواط، أي ما يفوق ضعف القدرة المركبة الحالية داخل الاتحاد الأوروبي، مع انخفاض كبير في تكاليف الإنتاج قد يصل إلى 40 بالمئة مقارنة بالأسواق الأوروبية، ما يجعل من هذه المنطقة، وخاصة الجزائر، خياراً استراتيجياً لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي.

وتبرز الجزائر بشكل خاص في هذه الخطط باعتبارها دولة ذات موقع جغرافي استراتيجي يربط بين أوروبا وإفريقيا، إضافة إلى امتلاكها موارد ضخمة في مجالات الطاقة الشمسية والطاقات النظيفة، وهو ما يجعلها مرشحة للعب دور رئيسي في مشاريع الربط الطاقوي المستقبلية، بما في ذلك خطوط نقل الهيدروجين الأخضر نحو أوروبا عبر شبكات أنابيب الغاز المعاد توظيفها.

كما يتضمن مشروع T-MED إنشاء بنية استثمارية متكاملة مدعومة بضمانات أوروبية تصل إلى 5 مليارات يورو، بهدف جذب استثمارات إضافية قد تبلغ 25 مليار يورو في أفق عام 2035، مع توقعات بتوفير أكثر من 100 ألف فرصة عمل في قطاعات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الحديثة، إلى جانب برامج تدريب واسعة لتأهيل العمالة في هذا المجال.

وتعمل الخطة أيضاً على تسريع الإجراءات الإدارية الخاصة بمشروعات الطاقة، وتقليص مدة منح التراخيص من سنوات إلى أشهر، إضافة إلى تطوير شبكات كهرباء ذكية وإنشاء ممرات مخصصة لنقل الهيدروجين الأخضر بين أوروبا وشمال إفريقيا، بما يعزز التكامل الطاقوي بين الجانبين.

وترى المفوضية الأوروبية أن هذه المبادرة تختلف عن مشاريع سابقة فشلت في تحقيق أهدافها، لأنها تقوم على شراكة سياسية واقتصادية مباشرة بين الأطراف المعنية، وليست مجرد استثمارات خاصة منفصلة، كما تهدف إلى تحقيق منافع مشتركة بدل العلاقات غير المتوازنة بين الشمال والجنوب.

وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية وأزمة الطاقة التي تعيشها أوروبا، يتزايد توجه الاتحاد الأوروبي نحو تنويع مصادره الطاقوية والاعتماد بشكل أكبر على الطاقات النظيفة القادمة من الجنوب، ما يمنح الجزائر موقعاً متقدماً في معادلة التحول الطاقوي العالمي.

كما يسلط المشروع الضوء على أهمية البنية التحتية الطاقوية في المنطقة، بما في ذلك مشاريع كبرى لربط موارد الغاز الإفريقية بالأسواق الأوروبية عبر الجزائر كممر استراتيجي، وهو ما يعزز مكانتها كفاعل رئيسي في سوق الطاقة الإقليمي والدولي.

وفي ضوء هذه التحولات، يبدو أن العلاقات الطاقوية بين أوروبا والجزائر تتجه نحو مرحلة جديدة تقوم على الشراكة في إنتاج الطاقة النظيفة بدلاً من الاقتصار على التصدير التقليدي للغاز، بما يعيد تشكيل موقع الجزائر من مورد للطاقة إلى شريك استراتيجي في صياغة مستقبل الطاقة العالمي.