حوض النيل

أزمة الثقة تعمّق تعقيدات اتفاق جوبا في السودان.. تفاصيل

الخميس 11 يونيو 2026 - 05:55 م
هايدي سيد
الأمصار

تشهد الساحة السياسية في السودان تصاعدًا في الجدل حول مستقبل اتفاق جوبا للسلام، في ظل تزايد التساؤلات بشأن قدرته على الاستمرار كإطار شامل للتسوية السياسية، أو الحاجة إلى إعادة صياغته ضمن مشروع وطني أوسع يعالج جذور الأزمة السودانية المتفاقمة.

ويأتي هذا النقاش في سياق بالغ التعقيد، حيث تتداخل التطورات العسكرية مع الانقسامات السياسية العميقة، إلى جانب تعدد مراكز القوة داخل الدولة، ما يجعل مسار التسوية أكثر هشاشة وصعوبة في الوصول إلى توافق مستدام.

وكان اتفاق جوبا للسلام، الذي وُقّع في أكتوبر 2020 بين الحكومة الانتقالية السودانية وعدد من الحركات المسلحة، قد مثّل حينها محاولة لإغلاق ملفات النزاع في إقليم دارفور ومناطق أخرى من البلاد، من خلال ترتيبات تتعلق بدمج القوات المسلحة، وتقاسم السلطة، وتنفيذ مشاريع تنموية في مناطق التهميش.

غير أن مسار التنفيذ واجه عقبات كبيرة، إذ تعثرت عمليات دمج الفصائل المسلحة داخل المؤسسة العسكرية، بينما بقيت العديد من البنود التنموية دون تطبيق فعلي بسبب الأزمات الاقتصادية والسياسية التي ضربت البلاد خلال السنوات الأخيرة، وهو ما أضعف من فاعلية الاتفاق تدريجيًا.

ومع اندلاع الصراع العسكري في السودان خلال عام 2023، دخلت معادلة اتفاق جوبا مرحلة جديدة من التعقيد، حيث وجدت الحركات المسلحة الموقعة عليه نفسها أمام خيارات صعبة بين أطراف الصراع، في ظل تحولات ميدانية فرضت واقعًا جديدًا على ميزان القوى.

وفي هذا السياق، برزت أهمية هذه الحركات كقوى عسكرية منظمة تمتلك نفوذًا ميدانيًا في عدة مناطق، خاصة في إقليم دارفور والمناطق الحدودية الغربية، الأمر الذي جعلها لاعبًا أساسيًا في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بمسار الحل السياسي.

كما شهدت بعض هذه الحركات توسعًا في نفوذها العسكري من خلال انضمام فصائل جديدة إليها، في مؤشر يعكس تغيرًا في خريطة التحالفات المسلحة داخل السودان، وتزايد حالة عدم الثقة تجاه المؤسسة العسكرية الرسمية لدى بعض المكونات المسلحة.

في المقابل، تعاني العملية السياسية السودانية من أزمة ثقة شاملة بين مختلف الأطراف، سواء بين القوى المدنية والعسكرية أو بين الحركات المسلحة نفسها، في ظل تباين الرؤى حول شكل الدولة ومستقبل الحكم، ما يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية نهائية.

وتتعمق هذه الأزمة بفعل عوامل اقتصادية واجتماعية معقدة، أبرزها التنافس على الموارد الطبيعية مثل الذهب والأراضي الزراعية، إلى جانب اتساع رقعة النزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية، وهو ما يضيف أبعادًا جديدة للصراع تتجاوز الإطار السياسي التقليدي.

ويرى مراقبون أن التجارب السابقة في السودان أظهرت محدودية الاتفاقات الجزئية التي عالجت النزاعات بشكل منفصل، دون التوصل إلى رؤية شاملة تعالج بنية الدولة وأسباب التهميش، وهو ما يجعل الحاجة ملحة إلى إعادة التفكير في نموذج التسوية ذاته.

وفي هذا السياق، تبرز دعوات متزايدة إلى صياغة مشروع وطني شامل يعيد بناء الدولة السودانية على أسس جديدة تقوم على المواطنة والعدالة في توزيع السلطة والثروة، بدلًا من الاكتفاء باتفاقات تقاسم النفوذ بين أطراف مسلحة.

غير أن تحقيق هذا المسار يظل مرتبطًا بقدرة الفاعلين السياسيين والعسكريين على تجاوز منطق الصراع الحالي، والتوصل إلى توافقات حقيقية حول مستقبل الدولة، في ظل استمرار حالة الانقسام وتعدد القوى المؤثرة على الأرض.

وفي المحصلة، يبدو أن السودان ما يزال يواجه مرحلة انتقالية طويلة ومعقدة، تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية، بينما يبقى مستقبل اتفاق جوبا مرهونًا بمدى القدرة على تحويله من اتفاق جزئي إلى جزء من رؤية وطنية شاملة قادرة على إنهاء حالة الحرب وإرساء الاستقرار المستدام.