دخل لبنان مرحلة جديدة من التوتر الأمني والعسكري بعدما امتدت تداعيات المواجهة المتصاعدة بين إسرائيل وإيران إلى الأراضي اللبنانية، مع تعرض الضاحية الجنوبية لبيروت لسلسلة غارات إسرائيلية، تزامناً مع هجمات صاروخية إيرانية استهدفت إسرائيل، في تطور يعكس اتساع دائرة الصراع الإقليمي وتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أكثر شمولاً.
وجاءت الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية وسط تحذيرات متبادلة وتصريحات متشددة من مختلف الأطراف، حيث أكدت طهران أن وقف إطلاق النار الساري في لبنان منذ أبريل الماضي يُعد جزءاً من التفاهمات الإقليمية القائمة، داعية إلى وقف الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية وعدم توسيع نطاق العمليات العسكرية.
وفي المقابل، لوّحت إيران بإمكانية تنفيذ المزيد من الهجمات ضد إسرائيل إذا استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان، خصوصاً في المناطق التي تُعد معاقل رئيسية لحزب الله، وعلى رأسها الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت.
وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، إيفي ديفرين، إن إيران تحاول فرض "معادلة جديدة" عبر ربط الهجمات المباشرة على إسرائيل بالعمليات العسكرية التي ينفذها الجيش الإسرائيلي داخل لبنان. وأضاف أن استهداف الضاحية الجنوبية جاء رداً على ما وصفه بالهجمات المتواصلة التي يشنها حزب الله على مناطق شمال إسرائيل، مؤكداً أن العمليات العسكرية ستستمر خلال الفترة المقبلة.
وعلى الأرض، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، حيث شن الطيران الحربي سلسلة غارات استهدفت بلدات عدة بينها الحلوسية والمنصوري وزفتا وكفرتبنيت وتبنين والشرقية والسكسكية، إضافة إلى مناطق في محيط مدينة النبطية.
وأسفرت الغارات عن سقوط عدد من الضحايا، فيما تحدثت وسائل إعلام لبنانية عن تدمير منازل ومنشآت في بعض المناطق المستهدفة، بالتزامن مع قصف مدفعي طال مناطق في جنوب لبنان، بينها بلدة القطراني في منطقة جزين.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ عمليات عسكرية استهدفت مواقع وآليات إسرائيلية في جنوب لبنان، من بينها هجوم بطائرة مسيّرة على آلية اتصالات قرب قلعة الشقيف، إضافة إلى قصف تجمعات عسكرية إسرائيلية بصليات صاروخية. وأكد الحزب أنه نفذ عشرات العمليات العسكرية خلال الساعات الأخيرة رداً على الهجمات الإسرائيلية.
وفي موازاة التطورات الميدانية، حذر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام من التداعيات الخطيرة للتصعيد الحالي، مشيراً إلى أن استمرار المواجهات قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة تفوق قدرة العديد من المناطق اللبنانية على الاستيعاب، خصوصاً في بيروت وصيدا والمناطق الجنوبية.
وكشف وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى خلال اجتماع وزاري أن البلاد شهدت آلاف الغارات والعمليات العسكرية منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في أبريل الماضي، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا والجرحى، فضلاً عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية والمناطق السكنية.
سياسياً، شددت الحكومة اللبنانية على أن الدولة وحدها هي الجهة المخولة بإدارة المفاوضات المتعلقة بمستقبل البلاد، في وقت تتواصل فيه الجهود الدبلوماسية الدولية لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى حرب إقليمية مفتوحة.
من جهتها، أكدت الولايات المتحدة استمرار تحركاتها الدبلوماسية لخفض التصعيد، مشيرة إلى أن المفاوضات المرتبطة بالوضع اللبناني ستُستأنف خلال الفترة المقبلة في واشنطن. كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الضربات الإسرائيلية على بيروت لم تُنفذ بالتنسيق مع الولايات المتحدة، معرباً عن عدم رضاه عن استهداف العاصمة اللبنانية، ومؤكداً أهمية العمل على منع اتساع رقعة المواجهة الحالية.
ويعكس التصعيد الأخير حجم التعقيدات التي تشهدها المنطقة، في ظل تداخل الملفات اللبنانية والإسرائيلية والإيرانية، ما يجعل أي تطور ميداني قابلاً للتحول إلى أزمة أوسع قد تتجاوز حدود الدول المعنية وتؤثر على الاستقرار الإقليمي بأكمله.