آراء وأقلام

مشاري الذايدي يكتب: ببغائيات الحياة.. السياحة مثلاً!

الثلاثاء 09 يونيو 2026 - 03:51 ص
الأمصار

ذات حديثٍ شبّهتُ أثر الظاهرة الأصولية السياسية أو حركة «الصحوة»، كما ندعوها في السعودية والخليج، بأثر الصبغة ذات اللون الأحمر أو الأصفر أو أي لون مثير، تُنثر على غرفة ما، بمقاعدها وستائرها وبُسُطها وأوانيها ومصابيحها، فتصطبغ الغرفة كلها بجميع عناصرها ومحتوياتها بصبغة ذاك اللون.

 

واليوم أقول إنَّ ثقافة السوشيال ميديا نثرت نفسَها على كل ما يفعله الإنسان اليوم، صار يأكل ويشرب ويعامل صحّته وربَّما ماله، ويُحدّد مسالك متعته ووجهات سياحته، يفعل كل هذا بحسب ما يمليه عليه واعظ السوشيال ميديا، أو قال ساحره ونافثه.

أخطر من ذلك أنَّ إنسانَ اليوم صار يفهم التاريخ والحاضر والدين والدنيا والعلم ومقدماته وفلسفاته، استناداً إلى ما قاله هذا المشهور أو ذاك، من مخلوقات السوشيال ميديا، التي تتنوَّع هي بدورها بين مجالات الحياة ومعارفها، مثلما تتنوّع الحياة في أدغال سومطرة أو مدغشقر.

السياحة... نعم أصابها اليوم زلزال السوشيال ميديا فأربكها، حسبما يخبرنا تحقيق لـ( سكينة إبراهيم) نشرته منصّة «العربية». وجاء فيه نقلاً عن (عثمان بن يحيى) وهو مُنظّم رحلات، إن انتشار صورة جميلة على أي موقع، وحصد وسمها ملايين المشاهدات كفيل بأن يجعل المنطقة التي تقع فيها مقصد الجميع، ومطلباً رئيسياً لكل الذين يعتمدون على مواقع التواصل لاختيار الأماكن لقضاء عطلاته.

مع هذا التوجيه والتقليد، صار غير غريب أن «يتحوّل زقاق بقرية صغيرة إلى استوديو تصوير مفتوح بعد أن اشتهر على (إنستغرام)، واصطفاف طوابير على أرصفة المطاعم للحصول على طاولة في مطعم طاهٍ اشتهر على (تيك توك)، وتدفق السياح بشكل هائل لزيارة مناطق طبيعية غير مؤهلة لاستيعاب أعداد كبيرة، والمخاطرة بالوصول إلى أماكن خطرة فقط؛ لأن صورها حصدت ملايين».

المشكلة هي أن هذه الصور الجميلة التي أخذت التفاعل الشديد، أو المطعم الصغير في الزقاق الصغير في القرية الصغيرة، ليس هو كل الواقع، فهناك مقدمات وشروط للسياحة الفعلية، مثل الفنادق والطرقات والقوى العاملة والأدلاّء والسيارات والشرطة والمطارات... إلخ، هي التي تُخدّم على المنظر النهائي، وأيضاً - وهذا ضروري - مجتمعٌ محلّي أَلِفَ السُيّاح وأَلِفوه، وتعودّ عليهم، واعتادوا عليه. الحقيقة ليست فقط صورة جميلة في كادرٍ عابر.

نعم الاكتشاف متعة، والجديد مُبهر، لكن هذا لنخبة قليلة من «محترفي» السفر المتعب والمغامرات التي تحتاج تأهيلاً خاصّاً، وليس مجرد ناس عاديين سحرتهم صورة في «إنستغرام»، وذهبوا للمكان، ليس بغرض الاستماع به واستكناه مفرداته، وتجربة ثقافة جديدة، بل لأخذ الصورة فقط، بالكادر نفسه الذي شاهدوه في «إنستغرام»!

قِسْ على هذه الببغائية السياحية، أمثالها من الببغائيات في كل مجالات الحياة اليوم، واسأل الله السلامة.

 

 

(نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط)