تعيش أوساط المهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء في ليبيا حالة من القلق المتزايد، في ظل حملات أمنية مكثفة وعمليات اعتقال واسعة النطاق طالت المئات خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضد الأجانب على منصات التواصل الاجتماعي.
وأفاد عدد من المهاجرين المقيمين في مدن ليبية مختلفة بأنهم باتوا يتجنبون الخروج من منازلهم خوفاً من الاعتقال أو التعرض للاعتداءات، مؤكدين أن الأوضاع أصبحت أكثر صعوبة خلال الأيام الماضية، خاصة في المناطق الواقعة غرب البلاد.
ووفق شهادات متطابقة، شملت الحملات الأمنية عدة مدن ليبية من بينها العاصمة طرابلس، إضافة إلى الزاوية وزليتن وصبراتة وزوارة، حيث نفذت الأجهزة الأمنية عمليات تفتيش ومداهمات استهدفت أماكن تجمع المهاجرين ومساكنهم.
وقال مهاجرون إن السلطات الليبية تقوم بإيقاف الأشخاص في الشوارع وأماكن العمل، كما تنفذ عمليات تفتيش داخل الأحياء السكنية بحثاً عن المقيمين بصورة غير نظامية، قبل نقل الموقوفين إلى مراكز احتجاز وسجون مخصصة لهذا الغرض.
وفي الوقت ذاته، تحدث مهاجرون عن تعرضهم لمضايقات واعتداءات من قبل بعض الأفراد، الأمر الذي دفع الكثير منهم إلى الحد من تحركاتهم اليومية والبقاء داخل مساكنهم لفترات طويلة خوفاً من التعرض للخطر.
كما أفادت تقارير محلية بأن السلطات الليبية كثفت من إجراءاتها الرقابية عبر إقامة نقاط تفتيش على الطرق الرئيسية، إلى جانب تشديد الرقابة على أوضاع الإقامة والعمل، في إطار حملة تستهدف الحد من الهجرة غير النظامية داخل البلاد.
ولم تقتصر الإجراءات الأمنية على غرب ليبيا فقط، بل امتدت إلى المناطق الشرقية التي تخضع لسيطرة السلطات المحلية هناك، حيث أعلنت الجهات الأمنية خلال الأشهر الماضية تنفيذ عمليات أمنية أسفرت عن توقيف آلاف المهاجرين المقيمين بصورة غير قانونية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه منصات التواصل الاجتماعي في ليبيا انتشاراً واسعاً لمنشورات تتناول قضية المهاجرين، وسط اتهامات من منظمات إنسانية بوجود حملات تضليل وخطابات تحريضية تسهم في زيادة التوترات ضد الأجانب، خاصة القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء.
وتشير منظمات معنية بالهجرة إلى أن الخطاب العدائي تجاه المهاجرين شهد تصاعداً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي أثار مخاوف من انعكاساته على سلامة المقيمين الأجانب واللاجئين داخل الأراضي الليبية.
وفي سياق متصل، شهدت العاصمة الليبية طرابلس تظاهرة شارك فيها مئات الأشخاص أمام مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مطالبين باتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه ملف الهجرة، ومعبرين عن رفضهم لما وصفوه باستمرار تدفق المهاجرين إلى البلاد.
ورفع المحتجون شعارات تطالب بوقف ما يعتبرونه محاولات لتوطين المهاجرين داخل ليبيا، كما دعوا إلى إغلاق مكاتب بعض المنظمات الدولية العاملة في مجال الهجرة واللجوء.
من جانبها، نفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا صحة الادعاءات المتداولة بشأن تنفيذ برامج لتوطين المهاجرين أو اللاجئين داخل البلاد، مؤكدة أن المعلومات المنتشرة بهذا الشأن لا تستند إلى حقائق.
وشددت البعثة الأممية على أهمية مكافحة المعلومات المضللة وخطابات الكراهية، محذرة من أن استمرار تداول مثل هذه المزاعم قد يسهم في تأجيج التوترات الاجتماعية والتحريض على العنف ضد المهاجرين والعاملين في المنظمات الدولية.
وتُعد ليبيا إحدى أبرز نقاط العبور الرئيسية للمهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، حيث تشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين داخل البلاد، ما يجعل ملف الهجرة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً على الساحة الليبية خلال السنوات الأخيرة.