يشهد قطاع النقل البري في السودان أزمة غير مسبوقة، وسط تدهور اقتصادي وأمني متفاقم منذ اندلاع الحرب المستمرة في البلاد، ما أدى إلى اقتراب القطاع من حافة الانهيار الكامل، في ظل ارتفاع حاد في تكاليف التشغيل والوقود والرسوم الجمركية.
وتشير بيانات اقتصادية إلى أن الخسائر الإجمالية لقطاع النقل في السودان خلال فترة الحرب بلغت مستويات كبيرة، مع تأثر مئات الشركات العاملة في النقل بين الولايات، إضافة إلى آلاف الحافلات التي كانت تمثل شريان الحركة والتنقل داخل المدن الكبرى، خاصة العاصمة الخرطوم.
ويعاني القطاع من خروج عدد من الشركات من الخدمة بشكل نهائي، إلى جانب تجميد نشاط شركات أخرى، في وقت يواجه فيه عدد كبير من المؤسسات خطر الإغلاق نتيجة الضغوط المالية المتزايدة وصعوبة استيراد قطع الغيار وتحديث الأساطيل.
كما ساهمت أزمة الوقود في تعميق الأزمة، بعد ارتفاع أسعاره بشكل كبير وتذبذب توفره في الأسواق، ما انعكس مباشرة على أسعار تذاكر النقل وخدمات الشحن، ودفع الكثير من الشركات إلى تقليص عدد رحلاتها أو تقليص حجم أساطيلها التشغيلية.
وأدى ذلك إلى فجوة واضحة بين العرض والطلب في خدمات النقل البري، حيث ارتفعت كلفة التنقل بشكل كبير على المواطنين، خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية وانخفاض قيمة العملة المحلية، ما زاد من الأعباء المعيشية على السكان في مختلف المناطق.

ويؤكد عاملون في القطاع أن ارتفاع الرسوم الجمركية على المركبات وقطع الغيار لعب دوراً رئيسياً في الأزمة، حيث أصبحت تكلفة استيراد الحافلات وتشغيلها مرتفعة للغاية، ما دفع عدداً من المستثمرين إلى التراجع عن التوسع أو تجديد الأسطول.
وفي السياق ذاته، يواجه القطاع زيادة كبيرة في الضرائب والرسوم الحكومية، ما ساهم في زيادة الضغط على الشركات العاملة ودفع بعضها إلى تقليص نشاطها أو الخروج من السوق نهائياً خلال السنوات الأخيرة.
ويرى خبراء أن استمرار الأزمة دون حلول هيكلية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في خدمات النقل، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على حركة التجارة الداخلية وتنقل المواطنين بين المدن، خاصة في ظل اعتماد شرائح واسعة من السكان على وسائل النقل العامة بشكل أساسي.
كما يحذر مختصون من أن استمرار ارتفاع أسعار الوقود والرسوم التشغيلية قد يؤدي إلى شلل شبه كامل في بعض خطوط النقل بين الولايات، ما يهدد بانعكاسات اقتصادية واجتماعية واسعة، تشمل صعوبة وصول المواطنين إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والأسواق.
ويطالب عاملون في القطاع بضرورة تدخل حكومي عاجل لإعادة تنظيم سوق النقل، وتخفيف الأعباء المالية، إلى جانب توفير حلول مستدامة لأزمة الوقود، وإعادة تأهيل البنية التحتية للنقل العام، بما يضمن استقرار حركة التنقل داخل البلاد.
وتبرز مقترحات بضرورة إعادة تفعيل وسائل النقل الجماعي مثل السكك الحديدية لتخفيف الضغط على قطاع الحافلات، في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها شركات النقل البري حالياً.
ويؤكد محللون أن استمرار الأزمة بالشكل الحالي يهدد بتفاقم الأوضاع الاقتصادية في السودان، خاصة مع اعتماد ملايين المواطنين على قطاع النقل في حياتهم اليومية، ما يجعل معالجته أولوية ملحة خلال المرحلة المقبلة.