دراسات وأبحاث

من تايلور سويفت للبيت الأبيض.. كيف أعادت النساء رسم خريطة النفوذ بالولايات المتحدة؟

الأحد 07 يونيو 2026 - 07:19 م
مصطفى سيد
الأمصار

في الوقت الذي اعتادت فيه السياسة الأمريكية أن تكون المعيار الأبرز لقياس النفوذ والقوة، تكشف التحولات الاجتماعية والثقافية خلال السنوات الأخيرة عن واقع جديد باتت فيه موازين التأثير أكثر تعقيدًا واتساعًا، فلم يعد النفوذ محصورًا في أروقة البيت الأبيض أو قاعات الكونغرس والمحكمة العليا، بل امتد إلى منصات التواصل الاجتماعي وصناعة الترفيه وقطاع الأعمال والتكنولوجيا، حيث نجحت شخصيات نسائية في بناء قواعد تأثير تتجاوز في كثير من الأحيان حدود السلطة التقليدية.

هذا التحول تجسد بوضوح في التصنيف الذي نشرته صحيفة "ديلي ميل" بمناسبة الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، والذي رصد أكثر 250 امرأة نفوذًا في البلاد استنادًا إلى استطلاع رأي واسع شمل ناخبين من مختلف الاتجاهات السياسية. 

وأظهرت النتائج أن مفهوم القوة في أمريكا يشهد إعادة صياغة غير مسبوقة، إذ بات التأثير الجماهيري والاقتصادي والثقافي يوازي النفوذ السياسي وربما يتفوق عليه في بعض الأحيان.

القائمة لم تكن مجرد ترتيب لأسماء بارزة، بل قدمت صورة عميقة عن طبيعة المجتمع الأمريكي الجديد، وعن القوى التي تحرك الرأي العام وتؤثر في القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية داخل أكبر قوة عالمية.

تحول تاريخي في مفهوم النفوذ

على مدار عقود طويلة، ارتبط النفوذ في الولايات المتحدة بالمناصب الرسمية. فالرؤساء وأعضاء الكونغرس وقادة المؤسسات الكبرى كانوا يحتلون صدارة المشهد بوصفهم الأكثر تأثيرًا في صناعة القرار.

لكن المشهد الحالي يختلف بصورة واضحة. فالثورة الرقمية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتغير أنماط استهلاك الإعلام ساهمت في خلق مراكز قوى جديدة لا تعتمد بالضرورة على المنصب الرسمي.

أصبح بإمكان فنانة أو إعلامية أو سيدة أعمال أن تؤثر في توجهات ملايين الأمريكيين خلال ساعات، وأن تحرك نقاشات سياسية واجتماعية واسعة النطاق، بل وأن تلعب دورًا مباشرًا في تحفيز الناخبين على المشاركة السياسية أو تبني مواقف معينة تجاه القضايا العامة.

هذه التحولات جعلت النفوذ أكثر ارتباطًا بالقدرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير في وعيه وسلوكياته، وليس فقط بالقدرة على إصدار القرارات أو سن القوانين.

تايلور سويفت.. القوة الناعمة تتفوق على السياسة

ربما كان تصدر الفنانة Taylor Swift لقائمة النساء الأكثر نفوذًا في الولايات المتحدة أكبر دليل على هذا التحول.

فالنجمة الأمريكية لم تصل إلى القمة عبر العمل السياسي أو المناصب الحكومية، بل من خلال بناء إمبراطورية جماهيرية ضخمة جعلتها واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في العالم.

خلال السنوات الأخيرة، تحولت سويفت من مجرد نجمة موسيقية إلى ظاهرة ثقافية واقتصادية واجتماعية. فقد حققت جولتها العالمية "إيراس" نجاحًا استثنائيًا تجاوز حدود صناعة الموسيقى، وامتدت آثارها إلى قطاعات السياحة والفنادق والنقل والتجارة.

لكن التأثير الحقيقي لسويفت لا يكمن فقط في نجاحها الفني، وإنما في قدرتها على التواصل المباشر مع جمهور يضم مئات الملايين عبر المنصات الرقمية. 

ومع امتلاكها قاعدة جماهيرية هائلة، أصبحت تصريحاتها ومواقفها قادرة على إشعال نقاشات وطنية واسعة.

وقد برز هذا الدور بوضوح خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية، عندما استخدمت منصاتها لتشجيع الشباب على التسجيل للتصويت والمشاركة السياسية، وهو ما اعتبره كثيرون دليلاً على أن المشاهير باتوا يمتلكون أدوات تأثير تضاهي أحيانًا أدوات السياسيين أنفسهم.

ميشيل أوباما.. نفوذ يتجاوز البيت الأبيض

رغم مغادرتها البيت الأبيض منذ سنوات، لا تزال Michelle Obama واحدة من أكثر الشخصيات النسائية تأثيرًا في الولايات المتحدة.

ويعكس احتلالها المرتبة الثانية في التصنيف حقيقة مهمة مفادها أن النفوذ السياسي لا ينتهي بالضرورة مع انتهاء المنصب.

فالسيدة الأولى السابقة نجحت في بناء صورة عامة تتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية، مستفيدة من نشاطها في قضايا التعليم والصحة وتمكين المرأة والشباب.

كما أن حضورها الإعلامي المستمر ونجاح كتبها ومشروعاتها المختلفة حافظا على مكانتها كشخصية قادرة على التأثير في الرأي العام الأمريكي، خصوصًا بين الديمقراطيين والأجيال الشابة.

وتُعد ميشيل أوباما نموذجًا واضحًا لما يمكن تسميته "النفوذ الثقافي السياسي"، حيث يتداخل الدور الاجتماعي مع التأثير السياسي دون الحاجة إلى شغل منصب رسمي.

أوبرا وينفري.. الإعلام بوابة القوة

في المرتبة الثالثة جاءت الإعلامية الشهيرة Oprah Winfrey، التي تُعتبر واحدة من أبرز النماذج على تحول الإعلام إلى مصدر رئيسي للنفوذ.

فعلى مدار عقود، تمكنت أوبرا من بناء علامة شخصية استثنائية جعلتها تتجاوز دور مقدمة البرامج التقليدية لتصبح شخصية مؤثرة في الثقافة الأمريكية.

نجاحها الإعلامي ترافق مع توسع استثماري كبير في مجالات متعددة، ما منحها نفوذًا اقتصاديًا وإعلاميًا في آن واحد.

كما أن قدرتها على توجيه النقاشات العامة والتأثير في اهتمامات الجمهور جعلتها تحافظ على مكانة بارزة رغم التغيرات الهائلة التي شهدها قطاع الإعلام خلال السنوات الأخيرة.

كامالا هاريس.. الحضور السياسي رغم الهزيمة

جاءت Kamala Harris في المركز الرابع، وهو ترتيب يعكس استمرار حضورها في المشهد السياسي الأمريكي رغم خسارتها في الانتخابات الرئاسية.

ويكشف هذا التصنيف أن النفوذ السياسي لا يقاس فقط بنتائج الانتخابات، بل أيضًا بالقدرة على التأثير في النقاش العام وصياغة الأفكار وتوجيه القواعد الحزبية.

فقد استطاعت هاريس خلال مسيرتها أن تجمع بين الخبرة القضائية والتشريعية والتنفيذية، وهو ما جعلها إحدى أبرز الشخصيات السياسية في الولايات المتحدة خلال العقد الأخير.

لم تقتصر القائمة على السياسيين والمشاهير، بل شملت أيضًا شخصيات قضائية بارزة، وفي مقدمتها Amy Coney Barrett.

ويعكس حضور باريت ضمن المراتب المتقدمة أهمية المحكمة العليا الأمريكية باعتبارها واحدة من أكثر المؤسسات تأثيرًا في الحياة السياسية والاجتماعية.

فالقرارات القضائية المتعلقة بالإجهاض والهجرة والحريات المدنية والاقتصاد باتت تلعب دورًا محوريًا في تشكيل السياسات العامة، ما يجعل قضاة المحكمة العليا شخصيات مؤثرة تتجاوز أحيانًا تأثير العديد من السياسيين المنتخبين.

إدارة ترامب والوجوه الجمهورية الصاعدة

أظهرت القائمة أيضًا الحضور القوي لعدد من النساء المرتبطات بالإدارة الجمهورية الحالية.

فقد جاءت Susie Wiles ضمن المراكز العشرة الأولى، وهو ما يعكس أهمية دورها في إدارة شؤون البيت الأبيض وصناعة القرار داخل الإدارة.

وتُعرف وايلز بأنها من أبرز الشخصيات التنظيمية والاستراتيجية في الدائرة المحيطة بالرئيس الأمريكي، حيث لعبت أدوارًا محورية في الحملات الانتخابية وفي إدارة الملفات السياسية المختلفة.

كما شهد التصنيف حضور عدد من الشخصيات الجمهورية الأخرى التي برزت خلال السنوات الأخيرة، ما يؤكد أن النفوذ النسائي داخل التيار المحافظ بات أكثر وضوحًا وتأثيرًا مقارنة بفترات سابقة.

ألكساندريا أوكاسيو كورتيز وصوت الأجيال الجديدة

من بين الأسماء اللافتة أيضًا جاءت Alexandria Ocasio-Cortez، التي أصبحت خلال السنوات الماضية رمزًا لجيل جديد من السياسيين الأمريكيين.

وتتمتع أوكاسيو كورتيز بحضور قوي على وسائل التواصل الاجتماعي، ما منحها قدرة استثنائية على التواصل مع الشباب والتأثير في النقاشات السياسية.

ويُنظر إليها باعتبارها واحدة من أبرز الوجوه التي تمثل الاتجاهات التقدمية داخل الحزب الديمقراطي، وهو ما ساعدها على بناء نفوذ يتجاوز حدود دائرتها الانتخابية.

عائلة ترامب.. حضور مستمر

لم تغب النساء المرتبطات بعائلة ترامب عن التصنيف، حيث برزت Melania Trump في مركز متقدم، إلى جانب أسماء أخرى مثل Ivanka Trump.

ويعكس هذا الحضور استمرار تأثير عائلة ترامب في الحياة السياسية والإعلامية الأمريكية، سواء من خلال المناصب الرسمية أو عبر النشاط الاقتصادي والإعلامي.

إلى جانب السياسة والإعلام والترفيه، أظهرت القائمة صعودًا واضحًا لسيدات الأعمال.

فشخصيات مثل Abigail Johnson وJane Fraser تمثل نموذجًا جديدًا للقوة الاقتصادية النسائية داخل الولايات المتحدة.

ففي عصر أصبحت فيه الشركات الكبرى تلعب دورًا مؤثرًا في السياسات العامة والتكنولوجيا والاستثمار والتوظيف، باتت القيادات الاقتصادية النسائية جزءًا أساسيًا من منظومة النفوذ الأمريكية.

وتعكس هذه الأسماء نجاح المرأة في الوصول إلى مواقع القيادة داخل قطاعات كانت لعقود طويلة حكرًا على الرجال.

كيف تغيرت خريطة القوة في أمريكا؟

تكشف هذه القائمة أن الولايات المتحدة تشهد تحولًا عميقًا في مفهوم النفوذ.

فالقوة اليوم لم تعد مرتبطة فقط بالسلطة السياسية، بل أصبحت موزعة بين عدة مجالات متشابكة تشمل الإعلام والترفيه والتكنولوجيا والاقتصاد والثقافة.

كما أن صعود المنصات الرقمية منح الشخصيات العامة أدوات تأثير مباشرة على الجمهور دون الحاجة إلى المرور عبر المؤسسات التقليدية.

وبالتالي أصبح بإمكان فنانة أو إعلامية أو رائدة أعمال أن تؤثر في قرارات الملايين وأن تشكل اتجاهات الرأي العام بنفس القدر الذي يفعله سياسي بارز أو مسؤول حكومي.

في النهاية، لا تعكس قائمة أقوى النساء في الولايات المتحدة مجرد ترتيب للأسماء، بل تقدم صورة واضحة عن التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع الأمريكي في القرن الحادي والعشرين.

فالنفوذ لم يعد حكرًا على البيت الأبيض أو الكونغرس أو المؤسسات الرسمية، بل أصبح نتاجًا لقدرة الشخصيات العامة على التأثير في الوعي الجماعي وصناعة الاتجاهات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

ومن تايلور سويفت التي حولت الشهرة الفنية إلى قوة جماهيرية هائلة، مرورًا بميشيل أوباما وأوبرا وينفري، وصولًا إلى القيادات السياسية والقضائية والاقتصادية، تبدو الولايات المتحدة أمام مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة مفهوم القوة ذاته.

وفي هذه المرحلة، لم تعد المرأة مجرد شريك في صناعة القرار، بل أصبحت أحد أبرز الفاعلين في رسم ملامح المجتمع الأمريكي وتحديد اتجاهاته المستقبلية، في مشهد يؤكد أن النفوذ في العصر الحديث أصبح أكثر تنوعًا واتساعًا من أي وقت مضى.