يواصل المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، إثارة الجدل داخل إيران وخارجها، في ظل غيابه شبه الكامل عن المشهد العام منذ توليه منصب المرشد الأعلى خلفًا لوالده علي خامنئي، وسط تساؤلات متزايدة بشأن وضعه الصحي ومدى قدرته على الإمساك بزمام السلطة في الجمهورية الإسلامية خلال مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية في تاريخ البلاد.
ورغم عدم ظهوره العلني منذ انتخابه مرشدًا أعلى لإيران عقب مقتل والده خلال الهجوم الأميركي الإسرائيلي الذي استهدف إيران في فبراير الماضي، فإن مؤشرات سياسية وأمنية متزايدة توحي بأن مجتبى خامنئي بدأ يلعب دورًا متناميًا في إدارة الملفات الاستراتيجية للدولة، لا سيما تلك المتعلقة بالمفاوضات مع الولايات المتحدة والسياسات الأمنية والعسكرية.
وخلال الأيام الماضية، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن المرشد الإيراني الجديد "منخرط بشكل مؤكد" في المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن، بينما أشار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى وجود مؤشرات واضحة على تزايد دوره في عملية صنع القرار الإيراني.
وفي الداخل الإيراني، تحدث الرئيس مسعود بزشكيان وعدد من كبار القادة العسكريين عن لقاءات جمعتهم بمجتبى خامنئي، إلا أن السلطات امتنعت عن نشر أي صور أو تسجيلات مصورة لتلك الاجتماعات، الأمر الذي عزز التكهنات حول حالته الصحية أو الاعتبارات الأمنية التي تحيط به.
ويُعد منصب المرشد الأعلى الركيزة الأساسية للنظام السياسي الإيراني منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، إذ يتمتع صاحبه بصلاحيات واسعة تشمل الإشراف على القوات المسلحة والحرس الثوري والأجهزة الأمنية، فضلاً عن رسم السياسات العليا للدولة.
وعرفت إيران ثلاثة مرشدين فقط خلال أكثر من أربعة عقود؛ هم مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، ثم علي خامنئي الذي حكم البلاد لأكثر من 37 عامًا، وأخيرًا نجله مجتبى خامنئي.
ويرى خبراء أن المرحلة الحالية تختلف جذريًا عن حقبة علي خامنئي، إذ يبدو أن السلطة في طهران باتت أكثر تشتتًا بين عدة مراكز نفوذ، على رأسها الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية والسياسية النافذة.
وتشير تقارير متعددة إلى أن مجتبى خامنئي تعرض لإصابات خلال الهجوم الذي أدى إلى مقتل والده، إلا أن حجم تلك الإصابات وطبيعتها لا يزالان غير واضحين، في ظل التكتم الرسمي الإيراني.
وقال الباحث المتخصص في الشأن الإيراني فرزان ثابت إن المرشد الجديد يؤدي حاليًا دورًا إشرافيًا على التوجهات العامة للدولة، لكنه لا يمارس النفوذ المباشر ذاته الذي كان يتمتع به والده.
وأضاف أن تحسن الوضع الأمني والصحي للمرشد قد يمنحه مساحة أكبر للتأثير مستقبلاً، خصوصًا في الملفات الحساسة مثل العلاقات مع الولايات المتحدة والبرنامج النووي الإيراني.
من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة أوتاوا توما غونو أن النفوذ الحقيقي داخل إيران بات موزعًا بين مجموعة من الشخصيات العسكرية والسياسية البارزة، على رأسها قيادات الحرس الثوري ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
وبحسب تقديرات مراقبين، فإن إيران تتجه نحو نموذج حكم أكثر جماعية مقارنة بالنظام الذي بناه علي خامنئي، حيث لم يعد القرار محصورًا بشخص واحد، بل بات يُدار عبر شبكة معقدة من مراكز القوة والنفوذ.
ورغم غيابه عن المناسبات العامة، تحرص السلطات الإيرانية على إبقاء صورة مجتبى خامنئي حاضرة في المشهد، من خلال اللوحات الدعائية والبيانات الرسمية والخطابات المكتوبة التي تُتلى نيابة عنه في المناسبات الوطنية والدينية.
ويرى محللون أن إيران تعيش اليوم مرحلة انتقالية دقيقة تجمع بين الاستمرارية في الخطاب السياسي المعادي للولايات المتحدة وإسرائيل، وبين تغييرات جوهرية في بنية السلطة وآليات اتخاذ القرار.
وبينما لا يزال من المبكر الحكم على شكل حكم مجتبى خامنئي ومستوى نفوذه الفعلي، فإن المؤكد أن الجمهورية الإسلامية دخلت مرحلة جديدة تختلف عن العقود السابقة، وسط تحديات داخلية وخارجية متصاعدة قد تحدد مستقبل النظام الإيراني خلال السنوات المقبلة.