دراسات وأبحاث

احتجاجات ضد الهجرة غير الشرعية وإغلاق مقر مفوضية اللاجئين.. ماذا يحدث في ليبيا؟

الجمعة 05 يونيو 2026 - 12:08 ص
هايدي سيد
الأمصار

شهدت العاصمة الليبية طرابلس تصعيداً جديداً في ملف الهجرة غير الشرعية، بعدما نظم عشرات المواطنين الليبيين وقفة احتجاجية أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج، مطالبين بترحيل المهاجرين غير الشرعيين ورفض أي سياسات أو ترتيبات قد تؤدي إلى توطينهم داخل الأراضي الليبية.

وأقدم المحتجون على إغلاق مقر المفوضية خلال التظاهرة التي شهدت مشاركة واسعة من المواطنين، حيث رفع المشاركون شعارات تؤكد تمسكهم بالحفاظ على الهوية الوطنية الليبية، ورفضهم لما وصفوه بمشروعات أو مبادرات يمكن أن تفضي إلى استقرار المهاجرين بصورة دائمة داخل البلاد.

متظاهرون يغلقون مقر المفوضية في طرابلس

وتأتي هذه الاحتجاجات في وقت يشهد فيه ملف الهجرة غير النظامية اهتماماً متزايداً داخل ليبيا، وسط حالة من الجدل المتصاعد على منصات التواصل الاجتماعي بشأن تداعيات استمرار تدفق المهاجرين إلى البلاد، وانعكاسات ذلك على الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

ملف الهجرة يعود إلى واجهة الأحداث

عاد ملف الهجرة غير الشرعية إلى صدارة المشهد الليبي خلال الفترة الأخيرة، في ظل تزايد النقاشات حول الأعداد الكبيرة من المهاجرين الموجودين داخل الأراضي الليبية، خاصة مع استمرار التحديات التي تواجهها الدولة الليبية على مختلف المستويات.

وتُعد ليبيا من أبرز دول العبور للمهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء والمتجهين نحو السواحل الأوروبية عبر البحر المتوسط، وهو ما جعلها خلال السنوات الماضية في قلب أزمة الهجرة التي تشغل العديد من الدول الإقليمية والدولية.

ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة تعكس حجم القلق الشعبي المتزايد بشأن مستقبل هذا الملف، لا سيما في ظل استمرار تدفق المهاجرين وتنامي المخاوف المتعلقة بالتأثيرات الديمغرافية والاجتماعية المحتملة.

تحذيرات أممية من خطاب الكراهية

تزامنت الاحتجاجات مع تحذيرات أصدرتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بشأن تنامي خطاب الكراهية والمعلومات المضللة المرتبطة بالمهاجرين والأجانب داخل البلاد.

وأكدت البعثة الأممية أن انتشار مثل هذه الخطابات قد يؤدي إلى زيادة التوترات الاجتماعية، ويفاقم من احتمالات وقوع أعمال عنف أو ممارسات تمييزية ضد المهاجرين والأجانب، داعية إلى ضرورة التعامل مع القضية بمسؤولية بعيداً عن التحريض أو نشر المعلومات غير الدقيقة.

وشددت الأمم المتحدة على أهمية احترام المبادئ الإنسانية والقانونية في التعامل مع ملف الهجرة، مؤكدة ضرورة إيجاد حلول متوازنة تراعي الاعتبارات الأمنية والإنسانية في الوقت نفسه.

مواقف رسمية ليبية رافضة للتوطين

في المقابل، جددت المؤسسات الليبية الرسمية تأكيدها على رفض أي ترتيبات أو سياسات يمكن أن تؤدي إلى توطين المهاجرين داخل البلاد.

وأكد المجلس الرئاسي الليبي، خلال اجتماعات خُصصت لمناقشة ملف الهجرة غير النظامية، أهمية حماية السيادة الوطنية والتصدي لشبكات الاتجار بالبشر، مع تعزيز الجهود الأمنية الرامية إلى مكافحة الهجرة غير الشرعية.

كما شدد مجلس النواب الليبي على تمسكه بأحكام القانون رقم 24 لسنة 2023 الخاص بمكافحة توطين الأجانب، معتبراً أن الحفاظ على الهوية الديمغرافية والحضارية للدولة الليبية يمثل أولوية وطنية لا يمكن التهاون بشأنها.

وتعكس هذه المواقف الرسمية حالة الإجماع داخل المؤسسات الليبية حول رفض أي مشروعات أو مبادرات تتعلق بتوطين المهاجرين، في ظل تزايد المخاوف المرتبطة بتداعيات هذه القضية على مستقبل البلاد.

أرقام تكشف حجم الأزمة

وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود نحو 936 ألف مهاجر ووافد داخل الأراضي الليبية، وهو رقم يعكس حجم التحديات التي تواجهها السلطات الليبية في إدارة هذا الملف المعقد.

وتوضح التقديرات أن نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين لا يمتلكون وثائق إقامة قانونية أو تصاريح عمل سارية، ما يزيد من صعوبة التعامل مع أوضاعهم القانونية والإنسانية.

ويرى خبراء أن استمرار الأزمات والصراعات في عدد من الدول الأفريقية، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، يدفع مزيداً من الأشخاص إلى محاولة الوصول إلى أوروبا عبر الأراضي الليبية، الأمر الذي يزيد الضغوط على المؤسسات الليبية المعنية بإدارة الملف.

تحديات أمنية واقتصادية متواصلة

ويؤكد مراقبون أن قضية الهجرة في ليبيا لم تعد تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل أصبحت ترتبط بشكل مباشر بملفات السيادة الوطنية والاستقرار الاقتصادي والتوازن الديمغرافي.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه السلطات الليبية رفضها لأي مشروعات توطين، تدعو الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى معالجة القضية من خلال التعاون المشترك ومكافحة شبكات تهريب البشر والاتجار بالمهاجرين، مع ضمان احترام الحقوق الإنسانية للمهاجرين الموجودين داخل الأراضي الليبية.

ومع استمرار الضغوط الاقتصادية والأمنية وتداعيات الأزمات الإقليمية المحيطة بالدولة الليبية، يتوقع مراقبون أن يظل ملف الهجرة غير الشرعية أحد أبرز القضايا المطروحة على الساحة الليبية خلال المرحلة المقبلة، نظراً لتشابك أبعاده الأمنية والإنسانية والسياسية، وتأثيره المباشر على مستقبل الاستقرار في البلاد.