ظهر الرئيس التونسي قيس سعيّد في جولة ميدانية بولاية أريانة المتاخمة للعاصمة، في زيارة اعتبرها مراقبون رداً عملياً ومباشراً على الشائعات التي انتشرت خلال الأيام الماضية بشأن وضعه الصحي، وأثارت تساؤلات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي حول أسباب غيابه عن الظهور العلني لفترة محدودة.
وخلال الجولة التي وثقتها مقاطع مصورة بثتها وكالة الأنباء التونسية الرسمية، أكد قيس سعيّد أن بلاده قادرة على مواجهة ما وصفه بمحاولات بث الإشاعات والأكاذيب، مشدداً على أن الشعب التونسي يدرك التحديات التي تواجهها البلاد ويقف في وجه كل ما من شأنه إثارة البلبلة أو التشكيك في مؤسسات الدولة.
وجاءت تصريحات الرئيس في وقت تصاعدت فيه التكهنات بشأن حالته الصحية، بعد تداول منشورات وتقارير غير مؤكدة على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنصات الإعلامية المحلية، تحدثت عن تعرضه لوعكة صحية أو غيابه عن ممارسة مهامه بشكل طبيعي.
ويرى متابعون للشأن التونسي أن اختيار سعيّد النزول إلى الشارع والالتقاء بالمواطنين بصورة مباشرة لم يكن خطوة عفوية، بل حمل أبعاداً سياسية واضحة تستهدف تبديد الشكوك وإعادة توجيه النقاش العام نحو الملفات الداخلية التي تواجه البلاد.
وفي هذا السياق، اعتبر المحلل السياسي صهيب المزريقي أن الجولة تمثل رسالة قوية للرأي العام، مفادها أن الرئيس يواصل أداء مهامه بشكل اعتيادي، وأن مؤسسات الدولة تعمل بصورة طبيعية، مشيراً إلى أن الظهور الميداني المباشر كان كفيلاً بنفي الروايات المتداولة حول تدهور وضعه الصحي.
وأضاف أن مؤسسة الرئاسة حرصت من خلال هذه الزيارة على التأكيد بأن مسار الحكم لم يتأثر بما أثير من تكهنات، وأن الرئيس لا يزال يتابع الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بنفس النهج الذي اعتمده منذ توليه السلطة.
وخلال الجولة، وجّه الرئيس التونسي رسائل إلى المسؤولين المحليين والإداريين، داعياً إياهم إلى تحمل مسؤولياتهم في إدارة الشأن العام والاستجابة لمطالب المواطنين، كما أشار إلى أهمية فتح المجال أمام الكفاءات الشابة للمشاركة في إدارة المؤسسات والهيئات المختلفة خلال المرحلة المقبلة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه تونس تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة، تشمل معدلات بطالة مرتفعة وضغوطاً مالية متزايدة، إلى جانب استمرار الجدل السياسي حول طبيعة الإصلاحات التي تبنتها السلطة خلال السنوات الأخيرة.
من جانبه، رأى المحلل السياسي محمد صالح العبيدي أن زيارة أريانة حملت أكثر من رسالة، أبرزها نفي الأنباء المتداولة بشأن وجود أزمة صحية لدى الرئيس أو احتمالات حدوث شغور في منصب الرئاسة، مؤكداً أن الزيارة أظهرت تمسك سعيّد بخياراته السياسية والاقتصادية رغم الانتقادات التي تواجهها حكومته.
ويأتي هذا الجدل في سياق سياسي حساس تعيشه تونس منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس في يوليو 2021، والتي أعادت رسم المشهد السياسي في البلاد وأثارت انقساماً بين مؤيدين يرون فيها مساراً لتصحيح الأوضاع السياسية، ومعارضين يعتبرونها تركيزاً واسعاً للسلطات في يد الرئاسة.
وفي المقابل، ترى أطراف معارضة أن غياب المعلومات الرسمية المنتظمة حول تحركات الرئيس وأنشطته يفتح المجال أمام انتشار الشائعات والتأويلات، بينما تؤكد السلطة أن هذه الأخبار تُستغل سياسياً بهدف التشكيك في استقرار مؤسسات الدولة.
ومع استمرار التجاذبات السياسية والاقتصادية، تبدو زيارة سعيّد إلى أريانة أكثر من مجرد جولة ميدانية، إذ حملت رسائل داخلية وخارجية تؤكد استمرار إدارة الدولة بصورة طبيعية، وتكشف في الوقت نفسه حجم الحساسية التي باتت تحيط بالمشهد السياسي التونسي في ظل التحديات الراهنة.