تكشف سلسلة من الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مناطق متفرقة في وسط قطاع غزة خلال الأسابيع الأخيرة عن نمط متكرر من عمليات التدمير الواسعة للمربعات السكنية، في وقت كان يُفترض أن يسود فيه الهدوء بموجب اتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ أكتوبر الماضي.
وبينما تتحدث إسرائيل في بعض الحالات عن أهداف أمنية، يؤكد سكان محليون أن القصف طال أحياء سكنية ومنازل مدنية بعد دقائق معدودة من تلقي أوامر إخلاء مفاجئة، ما أدى إلى تشريد مئات العائلات وإعادة فتح جراح النزوح المستمرة منذ اندلاع الحرب.
وشهدت مناطق عدة في وسط القطاع، من بينها مخيمات النصيرات والبريج والمغازي ومدينة دير البلح، عمليات قصف متتالية أدت إلى تدمير مربعات سكنية كاملة أو أجزاء واسعة منها، رغم أن العديد من هذه المناطق كانت قد نجت نسبياً من موجات الدمار الكبرى التي ضربت القطاع خلال المراحل الأولى من الحرب.
ويروي سكان أن الاتصالات الهاتفية التي تسبق القصف أصبحت جزءاً من المشهد اليومي. ففي كثير من الحالات، يتلقى السكان تحذيرات من جهات إسرائيلية تطلب منهم مغادرة منازلهم خلال دقائق معدودة، قبل أن تبدأ الغارات الجوية التي تحول المنازل إلى أكوام من الركام.
رامي خروب، وهو أحد سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، قال إن عائلته المكونة من 16 فرداً وجدت نفسها فجأة بلا مأوى بعد تلقي اتصال يطالبهم بإخلاء المنطقة. وأضاف أن دقائق قليلة فقط فصلت بين التحذير وبدء القصف الذي دمر عدة منازل وألحق أضراراً جسيمة بعشرات المنازل المجاورة، مؤكداً أن العائلات لم تتمكن من إنقاذ سوى أرواحها، فيما تُركت الممتلكات والأثاث والذكريات خلفها تحت الأنقاض.
وفي دير البلح، التي اعتبرت لفترة طويلة من المناطق الأقل تعرضاً للهجمات المباشرة، تكررت المشاهد ذاتها. أحمد المنسي، أحد سكان المدينة، تحدث عن تلقي اتصال مشابه يطلب إخلاء المربع السكني بالكامل من دون تحديد المنزل المستهدف بشكل واضح، ما تسبب بحالة من الفوضى والارتباك بين السكان الذين هرعوا للخروج بحثاً عن النجاة.
ويؤكد سكان المناطق المستهدفة أن كثيراً من المنازل التي تعرضت للقصف لا تضم شخصيات مطلوبة أو مقار عسكرية أو عناصر مسلحة، وفق رواياتهم، فيما يرى آخرون أن الغارات تهدف إلى توسيع نطاق الدمار في مناطق لم تصلها الحرب بشكل مباشر في مراحل سابقة.
وتأتي هذه التطورات في ظل أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة يعيشها سكان القطاع، حيث لا يزال مئات الآلاف من النازحين يقيمون في خيام ومراكز إيواء مؤقتة وسط نقص حاد في الخدمات الأساسية. ومع كل عملية قصف جديدة، تنضم عشرات العائلات إلى قوائم المشردين الذين فقدوا منازلهم ومصادر استقرارهم.
ويشير مراقبون إلى أن استهداف الأحياء السكنية وإجبار السكان على النزوح المتكرر يضاعف من تعقيدات المشهد الإنساني في غزة، التي تواجه واحدة من أكبر أزمات النزوح في تاريخها الحديث. فبعد أشهر طويلة من الحرب، لم يعد السؤال بالنسبة لكثير من السكان متعلقاً بموعد انتهاء المعارك، بل بمكان نزوحهم التالي وكيفية تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ويرى الكاتب والمحلل الفلسطيني مصطفى إبراهيم أن عمليات تدمير المربعات السكنية تجاوزت إطار العمليات العسكرية التقليدية، لتصبح جزءاً من واقع يومي يفرض على السكان حالة دائمة من الخوف وعدم اليقين. ويعتقد أن استمرار هذه السياسة يساهم في تغيير الخريطة السكانية والعمرانية للقطاع، ويعمق من معاناة المدنيين الذين يجدون أنفسهم أمام موجات متلاحقة من النزوح وفقدان المأوى.
ومع استمرار الغارات وتكرار أوامر الإخلاء المفاجئة، يبقى آلاف الفلسطينيين في غزة عالقين بين ركام منازلهم ومجهول النزوح القادم، في مشهد يلخص حجم المأساة الإنسانية التي لا تزال تتفاقم رغم الحديث عن اتفاقات لوقف إطلاق النار وتهدئة الأوضاع على الأرض.