تشهد إثيوبيا مرحلة سياسية دقيقة مع اقتراب موعد الانتخابات العامة السابعة المقررة في الأول من يونيو 2026، في ظل أوضاع داخلية معقدة تتداخل فيها التحديات الأمنية والانقسامات العرقية والصراعات السياسية التي ألقت بظلالها على المشهد العام خلال السنوات الأخيرة.
وتُنظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها محطة مفصلية في تاريخ البلاد، إذ يرى مراقبون أنها ستحدد إلى حد كبير مستقبل الاستقرار السياسي ووحدة الدولة خلال المرحلة المقبلة.
ويستعد أكثر من 50 مليون ناخب إثيوبي للمشاركة في الاستحقاق الانتخابي، وسط ظروف استثنائية تشهدها عدة مناطق، خاصة في إقليمي تيجراي وأمهرة، حيث ما تزال الأوضاع الأمنية تؤثر على سير العملية السياسية وتحد من المشاركة الكاملة في بعض المناطق.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة الإثيوبية جاهزيتها لإجراء الانتخابات بصورة منظمة، تبرز تساؤلات واسعة بشأن قدرة هذا الاستحقاق على معالجة الأزمات المتراكمة التي تواجه البلاد.
ومنذ وصول رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، شهدت البلاد تحولات كبيرة على المستويين السياسي والاقتصادي. ففي بداية عهده، حظي بإشادة محلية ودولية واسعة بعد إطلاق سلسلة من الإصلاحات السياسية، شملت الإفراج عن معتقلين سياسيين وتوسيع هامش الحريات العامة، إلى جانب التوصل إلى اتفاق سلام تاريخي مع إريتريا أنهى سنوات طويلة من التوتر بين البلدين، وهو ما أهله للحصول على جائزة نوبل للسلام.
غير أن السنوات اللاحقة حملت تحديات متزايدة، إذ دخلت إثيوبيا في أزمات داخلية معقدة، أبرزها الحرب التي اندلعت في إقليم تيجراي عام 2020، والتي تحولت إلى واحدة من أكثر النزاعات دموية في القارة الإفريقية خلال السنوات الأخيرة.
وأسفرت المواجهات عن خسائر بشرية كبيرة وأزمات إنسانية واسعة النطاق، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق سلام برعاية الاتحاد الإفريقي عام 2022.
وفي موازاة ذلك، شهدت أقاليم أخرى مثل أمهرة وأوروميا توترات أمنية ومواجهات مسلحة ساهمت في تعقيد المشهد الداخلي، ما دفع العديد من المراقبين إلى التحذير من استمرار حالة الاستقطاب السياسي والعرقي داخل البلاد.

ويرى محللون أن من أبرز المحطات التي ساهمت في تصاعد الخلافات السياسية قرار الحكومة الإثيوبية حل الائتلاف الحاكم السابق وتأسيس حزب الازدهار عام 2019، وهي الخطوة التي اعتبرها مؤيدوها محاولة لتعزيز الوحدة الوطنية، بينما رأت فيها أطراف معارضة تقليصاً لنفوذ الأقاليم والقوى السياسية التقليدية.
وفي العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، تسلط الحكومة الضوء على مشاريع البنية التحتية والتطوير العمراني والإصلاحات الاقتصادية باعتبارها مؤشرات على التقدم والتنمية، إلا أن الصورة تبدو مختلفة في عدد من الأقاليم التي ما تزال تواجه تحديات أمنية واقتصادية وإنسانية متواصلة.
كما تواجه العملية الانتخابية انتقادات من بعض قوى المعارضة التي تتحدث عن قيود سياسية وإدارية تحد من المنافسة، في حين تؤكد السلطات الإثيوبية أن الانتخابات تُجرى وفق الأطر القانونية المعتمدة وبإشراف المؤسسات المختصة.
وتكتسب الانتخابات المقبلة أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت تواجه فيه إثيوبيا تحديات تتعلق بالحفاظ على الاستقرار الداخلي وتعزيز التماسك الوطني، في بلد يُعد من أكبر الدول الإفريقية من حيث عدد السكان.
وبينما تراهن الحكومة على أن يشكل الاستحقاق الانتخابي خطوة جديدة نحو الاستقرار والتنمية، يرى مراقبون أن النجاح الحقيقي لن يقتصر على تنظيم الانتخابات فقط، بل سيتوقف على قدرة مختلف الأطراف السياسية على تجاوز الخلافات والانقسامات العميقة التي برزت خلال السنوات الماضية.
وفي ظل هذه المعطيات، تترقب الأوساط الإقليمية والدولية نتائج الانتخابات الإثيوبية باعتبارها اختباراً مهماً لمستقبل البلاد، ولمدى قدرة القيادة الإثيوبية على إدارة التحديات الراهنة والحفاظ على وحدة الدولة في مرحلة تُعد من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث.