أعاد إعلان إسرائيل السيطرة على قلعة الشقيف الأثرية والاستراتيجية شرق مدينة النبطية في جنوب لبنان تسليط الضوء على واحد من أكثر المواقع حساسية وأهمية في المنطقة.

فالقلعة التي ارتبط اسمها بمحطات عسكرية مفصلية ومعارك تركت بصماتها في الذاكرة اللبنانية والإسرائيلية عادت مجدداً إلى صدارة المشهد مع تصاعد التوترات العسكرية في الجنوب اللبناني.
ويأتي هذا الاهتمام المتجدد بعدما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس السيطرة على الموقع، ما أعاد طرح تساؤلات عديدة حول القيمة العسكرية للقلعة ودورها في المعادلات الميدانية، خصوصاً أنها بقيت حاضرة في مختلف المواجهات الكبرى التي شهدها جنوب لبنان منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وحتى اليوم.
تُعد قلعة الشقيف من أبرز المعالم التاريخية والتراثية في جنوب لبنان، كما أنها من أشهر القلاع الصليبية في منطقة بلاد الشام. وقد أطلق عليها الصليبيون اسم «بوفور» الذي يعني «الحصن الجميل»، نظراً لموقعها المميز وإطلالتها الواسعة على المناطق المحيطة.
شهدت القلعة مراحل تاريخية متعددة، إذ سقطت بيد القائد صلاح الدين الأيوبي بعد حصار طويل، قبل أن يستعيدها الصليبيون لفترة لاحقة ويتخذها فرسان المعبد مقراً لهم. وفي عام 1268 تمكن المماليك بقيادة الظاهر بيبرس من السيطرة عليها بشكل نهائي، لتدخل مرحلة جديدة من تاريخها الطويل.
ورغم أن الرومان كانوا أول من أقام تحصينات أولية في هذا الموقع المرتفع، فإن الصليبيين هم الذين وسعوا القلعة وأقاموا معظم المنشآت التي ما زالت قائمة حتى اليوم، ما جعلها شاهداً حياً على تعاقب الحضارات والقوى العسكرية التي مرت بالمنطقة.
في السنوات الأخيرة، اكتسبت قلعة الشقيف أهمية إضافية باعتبارها موقعاً تراثياً ذا قيمة عالمية. ففي عام 2024 حصلت القلعة على صفة «الحماية المعززة» بموجب البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
وجاء هذا التصنيف في ظل مخاوف متزايدة من تعرض القلعة لأضرار نتيجة العمليات العسكرية والغارات المتكررة التي شهدتها المنطقة.
وقد دعت جهات لبنانية ومنظمات معنية بحماية التراث إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة للحفاظ على هذا المعلم التاريخي ومنع تعرضه لمزيد من الأضرار التي قد تهدد قيمته الثقافية والأثرية.
لم تكن قلعة الشقيف مجرد موقع تاريخي فحسب، بل لعبت دوراً محورياً في الصراعات العسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية.
ففي سبعينات القرن الماضي تعرضت لقصف جوي إسرائيلي مكثف بعدما استخدمتها منظمة التحرير الفلسطينية كنقطة انطلاق لعملياتها باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 شهدت القلعة واحدة من أعنف المعارك بين القوات الإسرائيلية والمقاتلين الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين، لتتحول إلى رمز للمواجهة العسكرية في الجنوب. وبعد تلك المعارك بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية حتى انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.
يرى خبراء عسكريون أن الأهمية الميدانية لقلعة الشقيف لم تتراجع رغم التغيرات التي طرأت على طبيعة الحروب والتقنيات العسكرية الحديثة. ويؤكد العميد المتقاعد بسام ياسين أن الموقع لا يزال يمثل إحدى أبرز النقاط الحاكمة في جنوب لبنان بفضل موقعه الجغرافي الفريد.
فالقلعة تشرف على مساحات واسعة من الجنوب اللبناني وشمال فلسطين المحتلة، كما تطل مباشرة على مستوطنة المطلة وتبعد عنها أقل من أربعة كيلومترات. كذلك تمنح موقعها المرتفع قدرة كبيرة على مراقبة المناطق الممتدة بين نهري الليطاني والزهراني، ما يجعلها نقطة رصد وتحكم ذات أهمية استثنائية.
وتشيؤ تقارير إلى أن السيطرة على القلعة توفر أفضلية عسكرية واضحة، إذ تسمح بمراقبة مناطق الطيبة ودير سريان والقنطرة وغيرها من المواقع الحيوية، فضلاً عن تأمين الحماية للقوات المنتشرة في تلك المحاور.

من جانبه، يؤكد العميد الركن المتقاعد الدكتور بهاء حلال أن قلعة الشقيف تمثل واحدة من أهم العقد العسكرية والجيوبوليتيكية في جنوب لبنان. فالموقع يشرف على نهر الليطاني ومحور النبطية – مرجعيون، إضافة إلى مناطق أرنون وكفرتبنيت ويحمر وزوطر والقطاع الشرقي من الجنوب اللبناني.
وبحسب حلال، فإن هذا الموقع يمنح الجهة المسيطرة عليه قدرة كبيرة على الرصد والتوجيه والتحكم بخطوط الحركة والإمداد، ما يجعله نقطة استراتيجية يصعب تجاهلها في أي معادلة عسكرية تتعلق بجنوب لبنان. ولهذا السبب بقيت قلعة الشقيف حاضرة في مختلف الصراعات التي شهدتها المنطقة، ولا تزال حتى اليوم تحتفظ بقيمتها العسكرية رغم مرور العقود وتغير أساليب القتال.
وأشار إلى أن أي «قوة مقاومة تتموضع بحرية في محيط الشقيف تمتلك أفضلية تكتيكية في المناورة الصاروخية وإدارة الكمائن وإخفاء البنى القتالية داخل التضاريس الجبلية؛ الأمر الذي يجعل المنطقة مصدراً دائماً للقلق الأمني الإسرائيلي».
وعدَّ أنّ «إسرائيل تستطيع نظرياً الوصول إلى محيط الشقيف عبر الغطاء الجوي والتدمير المسبق والقوات الخاصة، إلا أن الفارق كبير بين الوصول والسيطرة المستقرة؛ لأن تثبيت السيطرة يتطلب خطوط إمداد آمنة وتحييد محيط القلعة نارياً ومنع الالتفافات والكمائن وضمان التفوق الدائم في الرصد، وهي شروط يصعب تحقيقها في منطقة مترابطة جغرافياً مع أرنون، ويحمر، وزوطر، وإقليم التفاح والوديان المؤدية إلى الليطاني».