مع اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى تفاهم جديد قد يعيد رسم ملامح العلاقة بين البلدين بعد سنوات طويلة من التوتر والعقوبات والمواجهات غير المباشرة، يبرز ملف الأموال الإيرانية المجمدة والأصول المصادرة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في مسار التفاوض الجاري بين الطرفين. فبينما تتحدث واشنطن عن اتفاق محتمل يهدف إلى تثبيت التهدئة واحتواء التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة خلال الأشهر الماضية، تتمسك طهران بضرورة معالجة الملفات المالية العالقة باعتبارها اختباراً حقيقياً لجدية أي تفاهم جديد.
وتحولت قضية الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج إلى محور رئيسي في النقاشات السياسية والاقتصادية، بعدما كشفت الإدارة الأميركية عن مصادرة أصول رقمية مرتبطة بإيران تقدر قيمتها بنحو مليار دولار، في خطوة اعتبرتها واشنطن جزءاً من استراتيجيتها الرامية إلى تشديد الرقابة على التدفقات المالية الإيرانية، فيما رأت طهران أن استمرار هذه الإجراءات يعكس تناقضاً بين الحديث عن التفاهم السياسي ومواصلة الضغوط الاقتصادية.
ويأتي هذا الجدل في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات استراتيجية كبيرة فرضتها الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وهي الحرب التي أثارت مخاوف عالمية بشأن أمن الطاقة والتجارة الدولية، خصوصاً مع التهديدات المتكررة التي طالت الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.
وتشير المعطيات المتداولة في واشنطن إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنظر إلى الملف الإيراني من زاويتين متوازيتين؛ الأولى أمنية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ومستقبل تخصيب اليورانيوم، والثانية اقتصادية ترتبط بقدرة طهران على الوصول إلى مواردها المالية الخارجية واستعادة جزء من أموالها المجمدة.
وخلال السنوات الماضية تراكمت مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في بنوك ومؤسسات مالية خارجية نتيجة العقوبات الأميركية والدولية. وتوزعت هذه الأموال بين احتياطيات نقدية وعائدات نفطية وأصول استثمارية وأموال مرتبطة بمؤسسات وشركات حكومية إيرانية. وأصبحت هذه الأصول مع مرور الوقت أحد أبرز أدوات الضغط التي استخدمتها الإدارات الأميركية المتعاقبة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات سياسية وأمنية.
وتؤكد مصادر مطلعة على المفاوضات أن الجانب الإيراني يعتبر الإفراج عن جزء من هذه الأموال شرطاً أساسياً لإظهار حسن النية الأميركية، بينما تفضل واشنطن اعتماد آلية تدريجية تربط أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأموال بخطوات إيرانية ملموسة يمكن التحقق منها على أرض الواقع.
وزادت تصريحات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت من أهمية هذا الملف عندما أعلن أن الولايات المتحدة صادرت ما يقارب مليار دولار من الأصول الإيرانية المرتبطة بالعملات المشفرة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تعكس اتجاهاً جديداً في العقوبات المالية الأميركية، يعتمد على استهداف الأصول الرقمية والشبكات المالية الحديثة التي تستخدمها الجهات الخاضعة للعقوبات.
وخلال العقد الأخير أصبحت العملات المشفرة أداة متنامية في الاقتصاد العالمي، كما لجأت إليها بعض الدول والكيانات الخاضعة للعقوبات الدولية لتقليل اعتمادها على النظام المالي التقليدي. وفي الحالة الإيرانية، تشير تقديرات غربية إلى أن طهران سعت إلى توسيع استخدام الأصول الرقمية كوسيلة لتجاوز القيود المفروضة على التحويلات المصرفية الدولية والحصول على مصادر تمويل بديلة.
وترى وزارة الخزانة الأميركية أن مراقبة هذه التدفقات الرقمية تمثل جزءاً أساسياً من استراتيجية العقوبات الحديثة، خصوصاً مع تطور التكنولوجيا المالية واتساع استخدام العملات المشفرة في المعاملات العابرة للحدود. ولذلك جاءت عملية المصادرة الأخيرة لتبعث برسالة سياسية واقتصادية مفادها أن واشنطن قادرة على ملاحقة الأصول الإيرانية حتى خارج النظام المالي التقليدي.
في المقابل، تنظر إيران إلى هذه الإجراءات باعتبارها امتداداً للحرب الاقتصادية التي بدأت منذ سنوات. ويؤكد المسؤولون الإيرانيون أن العقوبات الأميركية تسببت في أضرار كبيرة للاقتصاد الوطني، وأثرت على قدرة البلاد في الحصول على الاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا الحديثة والوصول إلى الأسواق المالية العالمية.
وتعزز هذا الموقف مع التقارير التي تحدثت عن وجود بند في مذكرة التفاهم المتداولة بين الجانبين ينص على الإفراج عن نحو 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة. ورغم عدم صدور تأكيد رسمي مشترك من الطرفين، فإن تسريب هذه المعلومات يعكس حجم الرهانات المرتبطة بالملف المالي داخل المفاوضات الحالية.
وتبرز أهمية هذا الرقم في كونه قد يشكل أكبر عملية إفراج عن أموال إيرانية منذ سنوات طويلة. كما أن استخدام هذه الأموال قد يمنح الحكومة الإيرانية هامشاً أوسع لمعالجة الضغوط الاقتصادية الداخلية، بما في ذلك تمويل الواردات الأساسية ودعم العملة المحلية وتحسين أوضاع الموازنة العامة.
لكن العقبة الأساسية تتمثل في انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين. فالولايات المتحدة تخشى أن يؤدي الإفراج السريع عن الأموال إلى منح إيران موارد إضافية من دون الحصول على ضمانات كافية بشأن الملفات الأمنية والنووية. أما إيران فتخشى من تكرار تجارب سابقة شهدت تراجعاً أميركياً عن التزاماتها أو إعادة فرض العقوبات بعد فترات قصيرة من تخفيفها.
وتنعكس هذه المخاوف على الخطاب السياسي للطرفين. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن بوضوح أن أي أموال لن يتم تحويلها في المرحلة الحالية حتى إشعار آخر، في حين يواصل المسؤولون الإيرانيون التأكيد أن القضايا المالية تمثل عنصراً أساسياً في أي اتفاق مستقبلي.
وفي خلفية هذا المشهد تقف اعتبارات دولية أوسع تتعلق بأسواق الطاقة العالمية. فاستقرار العلاقة بين واشنطن وطهران لا يؤثر فقط على البلدين، بل يمتد تأثيره إلى أسواق النفط والغاز وسلاسل الإمداد العالمية وحركة التجارة الدولية. ولذلك تتابع المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية هذه المفاوضات باهتمام بالغ، خصوصاً في ظل المخاوف من أي اضطرابات جديدة قد تطال منطقة الخليج.
كما أن استمرار العقوبات أو تشديدها قد يؤدي إلى تقليص الصادرات الإيرانية ويؤثر على توازنات سوق الطاقة، في حين يمكن لأي انفراجة سياسية أن تفتح الباب أمام عودة جزء من النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية، وهو ما قد ينعكس على الأسعار والإمدادات خلال السنوات المقبلة.