ودّع اليمن، الخميس، الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، الذي توفي بعد مسيرة سياسية وعسكرية طويلة امتدت لأكثر من ثمانية عقود، لعب خلالها أدواراً محورية في عدد من أهم المنعطفات التي شهدتها البلاد، بدءاً من مرحلة ما قبل الوحدة اليمنية، وصولاً إلى رئاسته للبلاد خلال واحدة من أكثر الفترات تعقيداً واضطراباً في تاريخ اليمن الحديث.
وُلد عبد ربه منصور هادي عام 1945 في قرية ذكين بمديرية الوضيع بمحافظة أبين جنوب اليمن، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة قبل أن يتجه مبكراً إلى العمل العسكري، حيث التحق بالمؤسسة العسكرية في جنوب اليمن، وبدأ رحلة صعوده داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية في مرحلة ما قبل الوحدة.
ومع قيام الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب عام 1990، برز هادي كأحد القيادات العسكرية الجنوبية التي انتقلت للعمل ضمن مؤسسات الدولة اليمنية الموحدة، في مرحلة اتسمت بحساسية سياسية كبيرة بين شريكي الوحدة.
وخلال حرب صيف 1994، التي اندلعت بين القوات الموالية للرئيس الراحل علي عبد الله صالح وقيادات جنوبية طالبت بالانفصال، انحاز هادي إلى جانب صالح، وهو الموقف الذي شكل نقطة تحول حاسمة في مسيرته السياسية، إذ عُيّن بعد انتهاء الحرب نائباً لرئيس الجمهورية في العام نفسه.
وظل هادي يشغل منصب نائب الرئيس لنحو 18 عاماً، ليصبح أحد أبرز الوجوه السياسية والعسكرية في نظام صالح، وإن كان حضوره السياسي ظل أقل صخباً مقارنة بدوائر النفوذ التقليدية داخل السلطة اليمنية آنذاك.
لكن اللحظة المفصلية في حياته السياسية جاءت مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في اليمن عام 2011، ضمن موجة “الربيع العربي”، حيث دخلت البلاد في أزمة سياسية حادة هددت بانهيار مؤسسات الدولة وتصاعد الانقسام الداخلي.
وفي ظل الضغوط الداخلية والإقليمية والدولية، تم التوصل إلى “المبادرة الخليجية” التي رعتها دول مجلس التعاون الخليجي، ونصت على نقل السلطة بشكل سلمي من علي عبد الله صالح إلى نائبه عبد ربه منصور هادي، مقابل منح صالح ومساعديه حصانة.
وبموجب الاتفاق، تولى هادي رئاسة اليمن كرئيس توافقي للمرحلة الانتقالية عام 2012، في مهمة وُصفت حينها بأنها شديدة التعقيد، نظراً لحجم التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي كانت تواجه البلاد.
وخلال فترة حكمه، أطلق هادي مؤتمر الحوار الوطني الذي هدف إلى إعادة صياغة شكل الدولة اليمنية وبناء توافق سياسي جديد، غير أن العملية السياسية سرعان ما تعثرت مع تصاعد نفوذ جماعة الحوثي وسيطرتها على العاصمة صنعاء عام 2014.
ومع انهيار العملية الانتقالية ودخول اليمن في دوامة الحرب، غادر هادي العاصمة قبل أن ينتقل لاحقاً إلى السعودية، حيث قاد الحكومة المعترف بها دولياً خلال سنوات الصراع.
وفي عام 2022، أعلن هادي نقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، في خطوة اعتُبرت محاولة لإعادة ترتيب المعسكر المناهض للحوثيين ودفع جهود التسوية السياسية.
ويرى مراقبون أن شخصية هادي ظلت مثار جدل واسع داخل اليمن، إذ يعتبره أنصاره رجل المرحلة الانتقالية الذي حاول تجنيب البلاد الانهيار الكامل، بينما يحمّله منتقدوه مسؤولية الإخفاق في إدارة التحولات المعقدة التي شهدتها البلاد بعد 2011.
وبرحيله، يفقد اليمن واحداً من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بمرحلة مفصلية من تاريخه السياسي الحديث، وهي المرحلة التي ما تزال تداعياتها تلقي بظلالها على المشهد اليمني حتى اليوم.