مع استمرار الحرب في قطاع غزة وتصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد قيادات حركة حماس، عاد ملف قيادة الجناح العسكري للحركة إلى الواجهة مجددًا، بعدما أعلنت إسرائيل استهداف عدد من أبرز القادة الميدانيين في كتائب القسام، كان آخرهم محمد عودة، الذي جاء خلفًا لعز الدين الحداد، أحد أبرز العقول العسكرية داخل الحركة.

وفي ظل هذه التطورات، بدأت دوائر المتابعة السياسية والأمنية في المنطقة تتساءل عن مستقبل البنية القيادية لكتائب القسام، وكيف يمكن للحركة أن تعيد ترتيب صفوفها في ظل خسارة متتالية لقادة الصف الأول، خاصة مع استمرار الحرب المفتوحة في غزة، والتعقيدات المرتبطة بالمفاوضات غير المباشرة، وضغوط الداخل والخارج.
اللافت أن أسماء عديدة بدأت تتردد باعتبارها مرشحة لتولي أدوار قيادية بارزة داخل الجناح العسكري، في مقدمتها عماد عقل، إلى جانب شخصيات أخرى ما تزال حاضرة ميدانيًا رغم سنوات من الملاحقة والاستهداف الإسرائيلي.

منذ اندلاع الحرب الأخيرة في قطاع غزة، وضعت إسرائيل تصفية قيادات حماس العسكرية على رأس أولوياتها، معتبرة أن ضرب البنية القيادية للحركة يمثل الطريق الأسرع لإضعاف قدرتها على إدارة المعارك الميدانية.
وشهدت الأشهر الماضية سلسلة من العمليات التي استهدفت قادة بارزين في كتائب القسام، سواء عبر الغارات الجوية أو العمليات الاستخباراتية المركزة، في محاولة لإحداث فراغ تنظيمي داخل الحركة.
لكن التجربة التاريخية لحماس تشير إلى أن الحركة اعتادت العمل وفق هيكل تنظيمي معقد يسمح بإعادة إنتاج القيادات سريعًا، حتى بعد فقدان شخصيات محورية.
فمنذ اغتيال الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وصولًا إلى قادة عسكريين بارزين مثل أحمد الجعبري ومحمد الضيف، استطاعت الحركة الحفاظ على تماسكها التنظيمي نسبيًا.
ومع اغتيال عز الدين الحداد ثم محمد عودة، تتجه الأنظار الآن نحو الشخصيات التي يمكن أن تتولى إعادة ترتيب المشهد العسكري داخل القسام.
برز اسم عماد عقل باعتباره المرشح الأوفر حظًا لتولي قيادة الجناح العسكري لحماس خلال المرحلة المقبلة، خاصة أنه يُعد من أقدم القيادات العاملة داخل البنية العسكرية للحركة.
ويحمل عقل تاريخًا طويلًا داخل كتائب القسام، حيث انضم مبكرًا إلى العمل التنظيمي والعسكري، وتدرج في عدد من المواقع الميدانية والإدارية، قبل أن يتولى مسؤوليات مرتبطة بالدعم اللوجستي والإمداد والتنسيق بين الوحدات القتالية.
وتنظر إسرائيل إلى عقل باعتباره أحد أخطر الشخصيات داخل البنية العسكرية للحركة، ليس فقط بسبب خبرته الطويلة، وإنما أيضًا بسبب قدرته على إدارة الملفات اللوجستية الحساسة المتعلقة بتأمين السلاح والذخائر وتحريك العناصر.
ويُعرف عماد عقل داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية بأنه “الرجل الذي يعمل في الظل”، حيث نادرًا ما ظهر إعلاميًا أو في المناسبات العلنية، وهو ما ساعده على البقاء بعيدًا عن دائرة الاستهداف المباشر لفترات طويلة.
وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن عقل لعب دورًا مهمًا في الحفاظ على استمرارية العمليات العسكرية للحركة خلال الحرب، من خلال إعادة تنظيم خطوط الإمداد وتأمين التواصل بين القيادات الميدانية.
وُلد عماد عقل عام 1971 في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وهي المنطقة التي تعد واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية وفقراً في القطاع.
ومع تصاعد التيار الإسلامي في الأراضي الفلسطينية خلال الثمانينيات، انخرط عقل مبكرًا في النشاط التنظيمي المرتبط بالحركة الإسلامية التي تحولت لاحقًا إلى حركة حماس.
وبعد تأسيس كتائب القسام مطلع التسعينيات، بدأ عقل نشاطه داخل الجناح العسكري، متنقلًا بين العمل الميداني والتدريب والتخطيط، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أحد المسؤولين عن الملفات اللوجستية والعسكرية الحساسة.
وخلال السنوات الماضية، نجا الرجل من عدة محاولات اغتيال إسرائيلية، كان أبرزها محاولة استهدافه عام 2003 وسط قطاع غزة، والتي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى دون أن يصاب هو بأذى.
كما تعرض منزله في مخيم النصيرات للقصف خلال عملية “الرصاص المصبوب” عام 2009، لكنه لم يكن موجودًا داخله وقت الغارة.
ويرى مراقبون أن بقاء عماد عقل على قيد الحياة رغم سنوات من الملاحقة الإسرائيلية يعكس حجم السرية التي تحيط بتحركاته داخل القطاع.
إلى جانب عماد عقل، يبرز اسم حسين فياض، المعروف بلقب “أبو حمزة”، كأحد أبرز القيادات العسكرية التي ما تزال حاضرة داخل المشهد.
ويُعد فياض قائد كتيبة بيت حانون في كتائب القسام، وقد ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بعدد من العمليات العسكرية والهندسية، خاصة في مجالات الأنفاق والعبوات الناسفة والتحصينات الدفاعية.
اللافت في قصة حسين فياض أن إسرائيل أعلنت تصفيته في مايو 2024 خلال غارة على جباليا، قبل أن يظهر مجددًا مطلع عام 2025، ما تسبب في إحراج أمني واستخباراتي للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
ويتمتع فياض بخبرة ميدانية كبيرة، إذ تولى الإشراف على وحدات الاستطلاع والأنفاق، كما قاد مجموعات متخصصة في الكمائن والعمليات التكتيكية ضد القوات الإسرائيلية.
ويعتقد متابعون أن ظهوره مجددًا بعد إعلان مقتله عزز صورته داخل الحركة باعتباره قائدًا “صعب الاستهداف”، الأمر الذي قد يمنحه وزنًا إضافيًا داخل الترتيبات المستقبلية.
ومن بين الأسماء المطروحة أيضًا هيثم الحواجري، قائد كتيبة مخيم الشاطئ، الذي لعب أدوارًا بارزة خلال هجوم السابع من أكتوبر.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في ديسمبر 2023 تصفية الحواجري خلال غارة قرب مخيم الشاطئ، لكن ظهوره العلني لاحقًا خلال عمليات تبادل الأسرى أكد أنه ما يزال على قيد الحياة.
ويُنظر إلى الحواجري باعتباره أحد القادة الميدانيين الذين يمتلكون خبرة واسعة في إدارة الاشتباكات داخل المناطق الحضرية، خاصة في مدينة غزة ومحيط مخيم الشاطئ.
كما ارتبط اسمه بملف العمليات داخل محيط مستشفى الشفاء، وهي المنطقة التي شهدت مواجهات معقدة خلال الحرب.
أما مهند رجب، فيُعد من الشخصيات الصاعدة بقوة داخل الجناح العسكري لحماس، حيث تصفه تقارير إسرائيلية بأنه أحد أبرز الأسماء المرشحة لتولي أدوار قيادية متقدمة.
ويُلقب رجب بـ”رجل الظل”، بسبب طبيعة عمله السابقة داخل أجهزة الاستخبارات التابعة لحماس، إضافة إلى قلة ظهوره الإعلامي.
وخلال السنوات الأخيرة، تولى مسؤوليات متزايدة داخل لواء مدينة غزة، قبل أن يصبح أحد الأسماء القريبة من دائرة القيادة العسكرية العليا.
ويرى محللون أن خبرة مهند رجب الاستخباراتية قد تمنحه ميزة مهمة في مرحلة تعتمد بشكل متزايد على العمل الأمني والقدرة على حماية البنية التنظيمية من الاختراق.
يبرز أيضًا اسم توفيق أبو نعيم، رئيس الأجهزة الأمنية التابعة لحماس في غزة، كأحد الشخصيات ذات النفوذ داخل الحركة.
وأُفرج عن أبو نعيم ضمن صفقة شاليط عام 2011، قبل أن يتولى لاحقًا مسؤوليات أمنية حساسة داخل القطاع.
ورغم أن اسمه يرتبط أكثر بالملف الأمني الداخلي، فإن قربه من البنية العسكرية للحركة يجعله لاعبًا مؤثرًا في أي ترتيبات قيادية مقبلة.
وقد تعرض أبو نعيم لعدة محاولات اغتيال خلال السنوات الماضية، ما يعكس أهميته داخل الهيكل التنظيمي للحركة.
يثير استهداف القيادات العسكرية تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت كتائب القسام ستتجه إلى تغيير استراتيجيتها العسكرية خلال المرحلة المقبلة.
فبعض التقديرات تشير إلى أن الحركة قد تعتمد بصورة أكبر على القيادات اللامركزية، بحيث يتم توزيع الصلاحيات بين عدة شخصيات بدلًا من التركيز على قائد واحد يمتلك صلاحيات واسعة.
كما يتوقع مراقبون أن تعزز الحركة من الاعتماد على العمل السري والخلايا الصغيرة، خاصة بعد الاختراقات الأمنية التي تعرضت لها خلال الحرب.
وفي المقابل، ترى إسرائيل أن استمرار عمليات الاغتيال قد يضعف قدرة الحركة على التنسيق وإدارة العمليات الكبرى، رغم اعترافها بأن القضاء الكامل على البنية العسكرية لحماس ما يزال هدفًا معقدًا وصعب التحقيق.
لا تقتصر تداعيات ملف قيادة القسام على الجانب العسكري فقط، بل تمتد أيضًا إلى مسار المفاوضات السياسية المتعلقة بالحرب والأسرى ووقف إطلاق النار.
فأي تغييرات داخل القيادة العسكرية قد تؤثر على آليات اتخاذ القرار داخل الحركة، خاصة في الملفات الحساسة المرتبطة بالتفاوض غير المباشر مع إسرائيل عبر الوسطاء.
ويرى محللون أن بقاء شخصيات تمتلك خبرة طويلة داخل الحركة، مثل عماد عقل أو توفيق أبو نعيم، قد يساعد على الحفاظ على قدر من التماسك التنظيمي خلال هذه المرحلة المعقدة.
لكن في المقابل، فإن استمرار الضربات الإسرائيلية واستهداف القيادات قد يدفع بعض الأجنحة داخل الحركة إلى تبني مواقف أكثر تشددًا، وهو ما قد ينعكس على فرص التوصل إلى تهدئة شاملة.
في تل أبيب، تتابع الأجهزة الأمنية والعسكرية عن كثب أي مؤشرات تتعلق بخلافة قيادة القسام، باعتبار أن هوية القائد الجديد قد تكشف ملامح المرحلة المقبلة.
فإذا تولت شخصيات ذات خلفية لوجستية واستخباراتية القيادة، فقد يعني ذلك اتجاه الحركة نحو إعادة بناء قدراتها بهدوء بعيدًا عن المواجهات المباشرة.
أما إذا صعدت شخصيات ميدانية مرتبطة بالعمليات الهجومية، فقد يشير ذلك إلى استمرار النهج التصعيدي.
وفي غزة، يظل المشهد مفتوحًا على احتمالات عديدة، في ظل حرب مستمرة وضغوط إنسانية غير مسبوقة، بينما تحاول حماس الحفاظ على تماسك بنيتها التنظيمية والعسكرية رغم الخسائر الكبيرة.
وبين محاولات إسرائيل تفكيك القيادة العسكرية للحركة، وسعي القسام لإعادة إنتاج نفسها مرة أخرى، تبدو معركة “من يقود الجناح العسكري؟” واحدة من أهم معارك الظل التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة في قطاع غزة والمنطقة بأكملها.