دراسات وأبحاث

من هدنة ترامب لحافة الحرب.. كيف اشتعلت جبهة لبنان مجددًا بين إسرائيل وحزب الله؟

الأربعاء 27 مايو 2026 - 07:08 م
مصطفى سيد
الأمصار

لم يمر سوى أسابيع قليلة على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، حتى عادت الحدود اللبنانية الإسرائيلية إلى الاشتعال مجددًا، وسط تصعيد متسارع أعاد المنطقة إلى أجواء الحرب المفتوحة.

فالهدنة التي رُوّج لها باعتبارها خطوة نحو احتواء الأزمة ومنع انفجار إقليمي واسع، تحولت سريعًا إلى مجرد عنوان سياسي لم ينجح في وقف الغارات الجوية أو الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بينما اتسعت رقعة المواجهات من جنوب لبنان وصولًا إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، في تطور وصفته وسائل إعلام إسرائيلية بأنه “انهيار تدريجي لاتفاق وقف إطلاق النار”.

ومع تزايد الحديث عن “الخط الأصفر” الذي فرضته إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية، واستمرار حزب الله في استخدام المسيّرات المفخخة، تبدو المنطقة اليوم أقرب إلى حرب استنزاف مفتوحة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالضغوط السياسية والدور الأمريكي المباشر.

هدنة لم تصمد طويلًا

في 16 أبريل 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، في محاولة لاحتواء التوتر المتصاعد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

وقدّم ترامب الاتفاق باعتباره اختراقًا سياسيًا يمكن أن يمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع، خاصة في ظل التوترات المتزامنة في الشرق الأوسط، إلا أن تفاصيل الاتفاق كشفت منذ البداية عن ثغرات خطيرة.

فالهدنة لم تتضمن انسحابًا إسرائيليًا كاملًا من جنوب لبنان، كما منحت إسرائيل حق “التحرك ضد التهديدات المباشرة”، وهو ما فتح الباب أمام استمرار العمليات العسكرية تحت غطاء “الدفاع الوقائي”.

وبعد ساعات قليلة من دخول الاتفاق حيز التنفيذ، بدأت المؤشرات الأولى لانهياره تظهر ميدانيًا، مع استمرار التحليق الإسرائيلي المكثف فوق الجنوب اللبناني، واستمرار التوتر على طول الخط الحدودي.

«الخط الأصفر».. شريط أمني جديد يشعل الأزمة

بعد يومين فقط من إعلان وقف إطلاق النار، بدأت إسرائيل عمليًا بفرض واقع أمني جديد داخل جنوب لبنان، عبر إنشاء ما أطلقت عليه وسائل إعلام إسرائيلية “الخط الأصفر”.

ويمثل هذا الخط نطاقًا أمنيًا فرضته إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية، مع إبقاء قواتها في عدد من المناطق الحدودية ومنع السكان اللبنانيين من العودة إلى بعض القرى.

وبررت إسرائيل هذه الخطوة بأنها ضرورية لمنع أي تسلل أو هجمات مستقبلية من حزب الله، فيما اعتبر الجانب اللبناني أن ما يحدث يمثل احتلالًا فعليًا لأراضٍ لبنانية وخرقًا مباشرًا للهدنة.

ومع تثبيت هذا الواقع الجديد، بدأت حدة التوتر تتصاعد تدريجيًا، خاصة مع استمرار عمليات الرصد والقصف الإسرائيلي داخل المنطقة.

حزب الله يرد.. والطائرات المسيّرة تتصدر المشهد

في المقابل، لم يتعامل حزب الله مع التطورات باعتبارها مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة، بل اعتبرها محاولة إسرائيلية لفرض قواعد اشتباك جديدة داخل لبنان.

ولهذا بدأ الحزب تدريجيًا بالرد عبر استخدام الطائرات المسيّرة المفخخة، التي تحولت خلال أسابيع قليلة إلى السلاح الأكثر تأثيرًا على الجبهة الشمالية لإسرائيل.

ووفق تقارير إسرائيلية، فإن بعض هذه المسيّرات تستخدم تقنيات متطورة تعتمد على أنظمة ألياف بصرية، وهو ما يجعلها أقل عرضة للتشويش الإلكتروني ويصعّب عملية اعتراضها.

ومع تزايد وتيرة الهجمات، ارتفع عدد القتلى الإسرائيليين، بينما بدأت صفارات الإنذار تدوي بشكل شبه يومي في مستوطنات الشمال، من المطلة حتى كريات شمونة ورأس الناقورة.

إسرائيل توسع بنك الأهداف داخل لبنان

ردًا على تصاعد هجمات حزب الله، كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، متجاوزة القصف التقليدي للقرى الحدودية إلى استهدافات أعمق وأكثر حساسية.

ففي أواخر أبريل، وسّعت إسرائيل ضرباتها لتشمل منطقة البقاع شرقي لبنان، مستهدفة مواقع قالت إنها مخازن أسلحة ومنشآت إنتاج عسكري تابعة لحزب الله.

لكن التحول الأخطر جاء في السادس من مايو، عندما شن سلاح الجو الإسرائيلي غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت، في أول استهداف مباشر لمعقل حزب الله منذ إعلان الهدنة.

ووفق الرواية الإسرائيلية، أسفرت الغارة عن مقتل أحمد غالب بلوط، أحد قادة “قوة الرضوان”، إلى جانب عناصر آخرين.

ورأت وسائل إعلام إسرائيلية أن هذه الغارة تمثل نقطة تحول كبيرة، لأنها تعكس انتقال إسرائيل من سياسة “الاحتواء المحدود” إلى سياسة “الضربات المفتوحة” حتى داخل العمق اللبناني.

ترامب بين التهدئة والدعم المفتوح لإسرائيل

ورغم أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعبت دورًا أساسيًا في إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، فإن واشنطن لم تضغط فعليًا لوقف العمليات الإسرائيلية.

بل إن المواقف الأمريكية بدت في كثير من الأحيان أقرب إلى منح تل أبيب غطاءً سياسيًا وعسكريًا لمواصلة عملياتها داخل لبنان، تحت شعار “مواجهة التهديدات”.

هذا التناقض بين الحديث عن التهدئة واستمرار الدعم العسكري لإسرائيل، دفع مراقبين إلى التشكيك في جدية الهدنة منذ البداية، خاصة أن الإدارة الأمريكية لم تضع آليات واضحة لمراقبة تنفيذ الاتفاق.

كما أن استمرار الوجود الإسرائيلي داخل “الخط الأصفر” عزز قناعة حزب الله بأن إسرائيل تسعى لتغيير قواعد الاشتباك وليس فقط منع التصعيد.

جنوب لبنان.. ساحة استنزاف مفتوحة

خلال شهر مايو، تحولت الحدود اللبنانية الإسرائيلية إلى ساحة استنزاف شبه يومية.

فالغارات الإسرائيلية لم تتوقف، والطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله واصلت استهداف مواقع إسرائيلية، فيما عاش سكان شمال إسرائيل وجنوب لبنان تحت وقع الإنذارات والقصف المستمر.

كما فرضت السلطات الإسرائيلية قيودًا أمنية واسعة داخل المستوطنات الشمالية، شملت إغلاق مدارس وتعليق بعض الأنشطة المدنية، بسبب تصاعد التهديدات الأمنية.

وفي المقابل، شهدت مناطق لبنانية عديدة موجات نزوح محدودة نتيجة استمرار الغارات، خصوصًا في القرى القريبة من الحدود.

هذا الواقع أعاد إلى الأذهان أجواء حرب 2006، لكن مع اختلاف كبير يتمثل في تطور قدرات الطائرات المسيّرة والدور المتزايد للتكنولوجيا العسكرية الحديثة.

الطائرات المسيّرة.. معادلة الحرب الجديدة

واحدة من أبرز ملامح التصعيد الحالي هي التحول الكبير في طبيعة أدوات المواجهة، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة تمثل عنصرًا رئيسيًا في المعركة.

فحزب الله يعتمد بشكل متزايد على المسيّرات المفخخة والاستطلاعية، سواء لتنفيذ ضربات مباشرة أو لجمع المعلومات الاستخباراتية.

وفي المقابل، تعتمد إسرائيل على تقنيات متطورة للرصد والدفاع الجوي، إلى جانب الغارات الاستباقية لاستهداف منصات الإطلاق ومخازن الأسلحة.

ويرى خبراء عسكريون أن هذه الحرب التقنية الجديدة قد تجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر تعقيدًا، خاصة مع صعوبة السيطرة الكاملة على المجال الجوي في مناطق جغرافية ضيقة ومتشابكة مثل جنوب لبنان.

الضاحية الجنوبية.. رسالة إسرائيلية متعددة الأبعاد

عندما قررت إسرائيل استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، لم يكن الأمر مجرد عملية عسكرية عادية، بل حمل رسائل سياسية وأمنية متعددة.

فالضاحية تمثل المعقل الأبرز لحزب الله، واستهدافها بعد إعلان الهدنة يعني أن إسرائيل مستعدة لتوسيع نطاق المواجهة إذا شعرت بأن التهديدات تتزايد.

كما أرادت تل أبيب، وفق مراقبين، توجيه رسالة ردع قوية للحزب، مفادها أن أي تصعيد بالطائرات المسيّرة سيقابل بضربات مباشرة داخل العمق اللبناني.

لكن هذه الخطوة رفعت في الوقت نفسه مستوى المخاطر، لأنها كسرت عمليًا أحد أهم الخطوط الحمراء غير المعلنة منذ سنوات.

هل يعود سيناريو حرب 2006؟

مع استمرار التصعيد، بدأ الحديث يتصاعد حول احتمالية انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة شبيهة بحرب يوليو 2006.

ورغم أن الطرفين لا يبدوان راغبين في حرب شاملة حتى الآن، فإن استمرار الضربات المتبادلة وغياب أي مسار سياسي فعال يزيد من احتمالات الانفجار.

فإسرائيل تسعى لإبعاد تهديد حزب الله عن حدودها الشمالية، بينما يعتبر الحزب أن أي تراجع أمام الضغوط الإسرائيلية سيؤدي إلى تغيير قواعد الردع القائمة منذ سنوات.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو فرص العودة إلى تهدئة حقيقية ضعيفة، خصوصًا مع استمرار التصعيد الميداني يوميًا.

لبنان بين الحرب والأزمة الداخلية

التصعيد العسكري الحالي يأتي في وقت يعيش فيه لبنان واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية والسياسية في تاريخه الحديث.

فالبلاد تعاني انهيارًا اقتصاديًا واسعًا، وأزمة مالية خانقة، وتراجعًا كبيرًا في الخدمات الأساسية، ما يجعل أي حرب جديدة تهديدًا مباشرًا لبنية الدولة والمجتمع.

كما أن استمرار القصف والغارات يزيد من الضغوط على المدنيين، ويعمق حالة القلق داخل الشارع اللبناني الذي يخشى تكرار سيناريوهات الدمار السابقة.

إسرائيل.. هاجس الأمن واستنزاف الشمال

في المقابل، تواجه إسرائيل أيضًا تحديات متزايدة على جبهتها الشمالية.

فاستمرار إطلاق المسيّرات والصواريخ يفرض حالة استنفار دائم داخل المستوطنات الشمالية، ويؤثر على الحياة اليومية والاقتصاد المحلي.

كما أن الجيش الإسرائيلي يجد نفسه مضطرًا للحفاظ على وجود عسكري مكثف قرب الحدود، في وقت يواجه فيه ضغوطًا أمنية على أكثر من جبهة إقليمية.

اليوم، وبعد أسابيع قليلة فقط من إعلان “هدنة ترامب”، تبدو المنطقة وكأنها عادت إلى نقطة الصفر.

فالضربات المتبادلة مستمرة، والتهديدات السياسية تتصاعد، فيما تتراجع فرص التهدئة الحقيقية مع كل يوم جديد.

وبين الحديث السياسي عن وقف إطلاق النار، والواقع الميداني المشتعل، تبدو الحدود اللبنانية الإسرائيلية أمام مرحلة شديدة الخطورة، قد تحدد شكل الصراع في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

ما يحدث اليوم على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية يكشف بوضوح هشاشة أي اتفاق لا يستند إلى حلول سياسية حقيقية.

فهدنة ترامب التي بدأت بوصفها محاولة لاحتواء التصعيد، تحولت سريعًا إلى عنوان دبلوماسي بلا تأثير فعلي، بينما استمرت الوقائع العسكرية في فرض نفسها على الأرض.

ومع اتساع دائرة الضربات، وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة، وعودة الاستهدافات داخل العمق اللبناني، تبدو المنطقة أمام اختبار جديد قد يعيد رسم قواعد الاشتباك بالكامل.

وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح الضغوط الدولية في منع انفجار شامل جديد، أم أن الحدود اللبنانية الإسرائيلية تتجه بالفعل نحو مواجهة أكبر من كل محاولات الاحتواء؟