في توقيت بالغ الحساسية قبل الانتخابات المحلية البريطانية، فجّر زعيم حزب الإصلاح البريطاني نايجل فاراج أزمة سياسية وأمنية جديدة، بعدما أعلن تعرض هاتفه المحمول لاختراق إلكتروني يُشتبه في ارتباطه بجهات روسية، وسط مخاوف متصاعدة من محاولات التأثير على المشهد السياسي داخل المملكة المتحدة.

القضية التي بدأت بتسريب معلومات مالية شديدة الحساسية، تحولت سريعًا إلى ملف يثير الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية، خاصة مع اتهامات تتعلق بتدخل خارجي، وتحقيقات برلمانية، وتساؤلات حول تمويلات الحزب اليميني الصاعد.
بحسب ما كشفته تقارير صحفية بريطانية، فإن نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح البريطاني، بات مقتنعًا بأن هاتفه الشخصي وحساباته الخاصة تعرضت للاختراق من جانب “جهات أجنبية معادية”، بعد تسريب معلومات مرتبطة بهبة مالية ضخمة قُدرت بنحو 5 ملايين جنيه إسترليني.
وذكرت مصادر داخل الحزب أن دائرة الأشخاص المطلعين على تفاصيل تلك الهبة كانت محدودة للغاية، ولم تتجاوز أربعة أشخاص فقط، الأمر الذي دفع فاراج إلى اللجوء لخبراء متخصصين في مكافحة التجسس الإلكتروني لإجراء فحص جنائي شامل لهاتفه وأجهزته الإلكترونية.
التحقيقات التقنية الأولية أشارت إلى أن عملية الاختراق تمت عبر ما يُعرف بأسلوب “التصيد الاحتيالي الموجّه”، وهي واحدة من أخطر تقنيات القرصنة الإلكترونية الحديثة، وتعتمد على إرسال رسائل وروابط تبدو موثوقة أو صادرة من أشخاص مقربين للهدف.
وبمجرد فتح الرابط أو التفاعل معه، يتمكن القراصنة من الوصول إلى البريد الإلكتروني، والحسابات البنكية، والبيانات الشخصية شديدة الحساسية.
ووصف مسؤولون داخل حزب الإصلاح ما حدث بأنه “عملية معقدة تحمل بصمات دولة تسعى لزعزعة الاستقرار السياسي في بريطانيا”، في إشارة واضحة إلى الشكوك المتزايدة حول احتمال وجود دور روسي خلف الواقعة.
القضية لم تتوقف عند حدود الاختراق الإلكتروني، بل امتدت إلى الجدل حول الهبة المالية التي كانت سببًا رئيسيًا في الأزمة.

الهبة قُدمت من رجل الأعمال البريطاني كريستوفر هاربورن، وهو ملياردير يعمل في مجال العملات المشفرة ويقيم في تايلاند، ويُعد أحد أبرز الداعمين للتيار اليميني داخل بريطانيا.
وتشير التقارير إلى أن هاربورن سبق أن قدّم تبرعات ضخمة لحزب المحافظين وحزب بريكست، إضافة إلى دعم مالي كبير لحزب الإصلاح خلال الفترة الماضية، ما جعل اسمه حاضرًا بقوة في الجدل السياسي الحالي.
في موازاة أزمة الاختراق، يواجه فاراج ضغوطًا سياسية وبرلمانية متزايدة، بعدما بدأ مفوض المعايير البرلمانية تحقيقًا رسميًا بشأن مدى قانونية قبول تلك الأموال.
وتبحث التحقيقات ما إذا كان زعيم حزب الإصلاح قد خالف قواعد مجلس العموم البريطاني، خاصة أن الأموال قُدمت له قبل دخوله البرلمان عام 2024.
وبحسب تقارير بريطانية، فإن العقوبات المحتملة قد تصل إلى الإيقاف البرلماني، أو حتى فتح الباب أمام انتخابات فرعية حال ثبوت وجود مخالفة قانونية.
من جانبه، نفى نايجل فاراج ارتكاب أي مخالفة، مؤكدًا أن الأموال لم تكن “تبرعًا سياسيًا”، وإنما خُصصت لتغطية تكاليف أمنه الشخصي في فترة لم يكن يشغل خلالها أي منصب برلماني.
كما اعتبر أن ما جرى يكشف حجم التهديدات الأمنية التي تواجه بريطانيا، متهمًا أطرافًا خارجية بمحاولة التأثير على الحياة السياسية البريطانية عبر الهجمات السيبرانية وتسريب المعلومات.
وفي تصريحات لصحيفة “ميل أون صنداي”، وصف فاراج الواقعة بأنها “مقلقة للغاية”، مؤكدًا أن ما حدث يعكس خطورة التدخلات الأجنبية في الشأن البريطاني.
الأزمة شهدت أيضًا تصعيدًا جديدًا بين فاراج وبعض وسائل الإعلام البريطانية، بعدما هاجم صحيفة “الغارديان” التي نشرت تفاصيل الهبة المالية.
ولوّح زعيم حزب الإصلاح بإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين حزبه والصحيفة خلال الفترة المقبلة، ملمحًا إلى أن نشر تلك المعلومات جاء في إطار حملة تستهدفه سياسيًا.
في المقابل، نفت “الغارديان” بشكل قاطع حصولها على المعلومات عبر أي اختراق غير قانوني، مؤكدة أن ما نشرته يندرج ضمن “التدقيق الصحفي المشروع” في الملفات المالية للشخصيات العامة.
تأتي هذه التطورات في وقت يحاول فيه حزب الإصلاح البريطاني توسيع نفوذه السياسي، مستفيدًا من تصاعد شعبيته داخل عدد من المناطق البريطانية، خاصة في ما يُعرف بـ”الجدار الأحمر”.
كما يسعى الحزب لتقديم نفسه كبديل سياسي قادر على منافسة الأحزاب التقليدية، عبر طرح برنامج اقتصادي شعبوي يتضمن إلغاء الضرائب على ساعات العمل الإضافية، وتقليص الإنفاق على المساعدات الخارجية وبعض برامج الرعاية الاجتماعية.
لكن أزمة الاختراق الإلكتروني والتحقيقات المالية قد تمثل تحديًا كبيرًا أمام الحزب، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية واحتدام المنافسة السياسية داخل بريطانيا.