يشهد العراق مرحلة سياسية شديدة التعقيد مع تشكيل حكومة رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية يتزامن مع تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية واتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط. وجاءت الحكومة الجديدة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب البيت السياسي العراقي وتخفيف حدة الانقسامات داخل الإطار التنسيقي الشيعي، الذي يظل القوة البرلمانية الأكبر والأكثر تأثيرًا في رسم معادلات الحكم داخل البلاد.
ورغم تمرير جزء من التشكيلة الوزارية، فإن الحكومة لا تزال تواجه اختبارات صعبة تتعلق بطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، وحدود النفوذ الإيراني، ومستقبل الفصائل المسلحة، فضلًا عن الانقسامات المتزايدة داخل القوى الشيعية نفسها. وتحوّل تشكيل حكومة الزيدي إلى مؤشر سياسي مهم على طبيعة التوازنات الجديدة التي تحاول بغداد الحفاظ عليها في ظل ضغوط متعارضة من واشنطن وطهران.
جاء اختيار علي الزيدي بعد خلافات حادة داخل الإطار التنسيقي بين تياري رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي. وبرزت هذه الخلافات عقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي أفرزت تنافسًا واضحًا على قيادة الحكومة المقبلة، خصوصًا مع الضغوط الأمريكية المتزايدة ضد عودة المالكي إلى السلطة.
ويبدو أن الإطار التنسيقي لجأ إلى خيار “مرشح التسوية” عبر الدفع بالزيدي لتجنب تفجر الصراع الداخلي، خاصة مع تعقّد المشهد الأمني والإقليمي بعد الحرب الإيرانية التي اندلعت مطلع عام 2026، وما تبعها من تصعيد عسكري طال العراق والخليج العربي.
وقد نجح البرلمان العراقي في تمرير 14 وزيرًا فقط من أصل التشكيلة الحكومية، بينما تأجل حسم عدد من الوزارات السيادية والخدمية المهمة، مثل الدفاع والداخلية والتخطيط والتعليم، ما يعكس استمرار الانقسامات بين القوى السياسية حول توزيع النفوذ والمناصب.
تمثل حكومة الزيدي محاولة واضحة للحفاظ على سياسة “إدارة التوازن” التي اتبعها العراق خلال السنوات الأخيرة، وهي سياسة تقوم على تجنب الانحياز الكامل لأي من الولايات المتحدة أو إيران.

فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك أدوات ضغط قوية داخل العراق، أبرزها النفوذ المالي المرتبط بعائدات النفط العراقية المودعة في الخارج، فضلًا عن الوجود العسكري الأمريكي والتأثير السياسي والدبلوماسي في مؤسسات الدولة العراقية.
وفي المقابل، تحتفظ إيران بنفوذ عميق داخل المشهد العراقي عبر الأحزاب السياسية الشيعية والفصائل المسلحة المرتبطة بالحشد الشعبي، إضافة إلى شبكة المصالح الاقتصادية والأمنية الممتدة داخل البلاد.
ويعكس اختيار الزيدي إدراك القوى السياسية العراقية لصعوبة الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي قد تنتج عن أي عقوبات أو قيود أمريكية على التحويلات المالية العراقية، وفي الوقت ذاته الحرص على عدم خسارة الدعم الإيراني الذي يمثل عنصرًا أساسيًا في تماسك قوى الإطار التنسيقي.
أزمة الفصائل المسلحة
أحد أبرز الملفات التي تواجه حكومة الزيدي يتمثل في مستقبل الفصائل المسلحة الموالية لإيران، والتي تصاعد دورها خلال الحرب الإيرانية الأخيرة، سواء عبر استهداف القوات الأمريكية أو تنفيذ عمليات عسكرية مرتبطة بالصراع الإقليمي.
وأثارت هذه التحركات مخاوف واسعة داخل العراق من تحول البلاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين واشنطن وطهران، خصوصًا بعد اتهامات بوجود هجمات انطلقت من الأراضي العراقية باتجاه دول خليجية.
كما عادت إلى الواجهة قضية شرعية استمرار السلاح خارج إطار الدولة، خاصة بعد تراجع خطر تنظيم داعش، وهو الملف الذي يثير انقسامًا واسعًا داخل الساحة الشيعية نفسها.
ويبدو أن بعض القوى العراقية باتت تدرك أن استمرار نشاط الفصائل المسلحة بالصورة الحالية يهدد علاقات العراق الخارجية، ويضعف فرص الاستقرار الاقتصادي والاستثماري، خصوصًا مع تراجع ثقة الشركاء الدوليين والخليجيين.
انقسامات داخل الإطار التنسيقي
رغم نجاح الإطار التنسيقي في تشكيل الحكومة، فإن الخلافات الداخلية لا تزال حاضرة بقوة، بل إن بعض المؤشرات تكشف عن إعادة تشكيل التحالفات السياسية داخل البيت الشيعي.
فقد ظهرت اصطفافات جديدة بين القوى القريبة من السوداني وتلك المرتبطة بالمالكي، في حين برزت اعتراضات من قوى شعرت بالتهميش في توزيع المناصب الوزارية.
وأدت هذه التوترات إلى انسحاب بعض الكتل من تحالف “الإعمار والتنمية”، وسط اتهامات بالإقصاء واحتكار القرار السياسي. كما برز حديث عن تشكيل تحالفات جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ داخل الإطار التنسيقي.
وتكشف هذه التطورات عن وجود صراع حقيقي على النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي داخل المكون الشيعي، وهو صراع قد يتفاقم إذا تعرضت الحكومة الجديدة إلى ضغوط خارجية أو أزمات داخلية إضافية.
تتعامل واشنطن بحذر مع الحكومة العراقية الجديدة، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى تقليص نفوذ الفصائل المسلحة والقوى القريبة من إيران داخل مؤسسات الدولة.
وقد استخدمت الإدارة الأمريكية خلال الفترة الماضية أدوات متعددة للضغط، من بينها التهديد بالعقوبات المالية، والتلويح بتقييد التحويلات النقدية، فضلًا عن التصريحات السياسية الرافضة لعودة بعض الشخصيات المقربة من طهران إلى السلطة.
كما تنظر واشنطن إلى العراق باعتباره ساحة مهمة لمنع تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة، خصوصًا بعد التصعيد العسكري الأخير بين إيران وإسرائيل، والدور الذي لعبته بعض الفصائل العراقية في هذا الصراع.
في المقابل، تحاول بغداد تجنب التصعيد مع الولايات المتحدة، إدراكًا لحجم التأثير الأمريكي على الاقتصاد العراقي، خاصة في ظل اعتماد العراق الكبير على النظام المالي العالمي.
من جانبها، تبدو إيران حريصة على الحفاظ على نفوذها داخل العراق دون دفع الأمور نحو مواجهة شاملة قد تؤدي إلى خسارة حلفائها السياسيين.
ولهذا السبب، دعمت طهران خيار “التسوية السياسية” عبر حكومة الزيدي، باعتبارها صيغة قادرة على منع انهيار الإطار التنسيقي والحفاظ على الحد الأدنى من التوافق بين القوى الشيعية.
كما تسعى إيران إلى إدارة نفوذها داخل العراق بصورة أكثر هدوءًا خلال المرحلة الحالية، خاصة مع انشغالها بالتحديات العسكرية والإقليمية المتزايدة.
ويعتقد مراقبون أن طهران تدرك أن أي انفجار داخلي في العراق قد يضر بمصالحها الاستراتيجية، لذلك تفضل في الوقت الراهن سياسة الاحتواء والمحافظة على التوازنات القائمة بدلًا من التصعيد.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
تواجه حكومة الزيدي احتمالين رئيسيين خلال المرحلة المقبلة. الأول يتمثل في تفكك الإطار التنسيقي وتصاعد الانقسامات الداخلية، بما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي العراقي بصورة أكثر حدة واستقطابًا.
أما السيناريو الثاني، وهو الأقرب للتحقق، فيقوم على استمرار سياسة التوازن والتوافق، عبر تمرير شخصيات تكنوقراطية وإدارة الخلافات داخل الإطار بطريقة تمنع انهياره.
ويعتمد نجاح هذا السيناريو على قدرة الحكومة في احتواء الصراعات الداخلية، وتجنب التصعيد مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقات مستقرة مع إيران والفصائل الحليفة لها.
تعكس حكومة علي الزيدي طبيعة المرحلة الدقيقة التي يعيشها العراق، حيث تحاول القوى السياسية العراقية الحفاظ على توازن شديد الحساسية بين النفوذين الأمريكي والإيراني، وسط تحديات أمنية واقتصادية وسياسية متشابكة.
ورغم أن الحكومة الجديدة قد نجحت مؤقتًا في منع انفجار الخلافات داخل الإطار التنسيقي، فإن مستقبلها سيظل مرتبطًا بقدرتها على إدارة ملف الفصائل المسلحة، واحتواء الانقسامات الشيعية، والتعامل مع الضغوط الخارجية المتزايدة.
وفي ظل استمرار التوتر الإقليمي، يبدو أن العراق سيبقى ساحة مركزية للصراع غير المباشر بين واشنطن وطهران، بينما تحاول بغداد الحفاظ على استقرارها الداخلي ومنع تحول أراضيها إلى ميدان مواجهة مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية.