دراسات وأبحاث

مراهنة ليبية على إنعاش السياحة وسط الانقسام السياسي وتدهور المواقع الأثرية

الخميس 21 مايو 2026 - 11:53 ص
غاده عماد
الأمصار

تشهد ليبيا خلال السنوات الأخيرة محاولات متزايدة لإعادة إحياء قطاع السياحة، في ظل حديث رسمي عن تحسن نسبي في الأوضاع الأمنية وتطوير بعض المرافق والبنية التحتية، غير أن هذه المساعي لا تزال تصطدم بعقبات سياسية ومؤسسية معقدة، فضلاً عن أوضاع متردية تعانيها المواقع الأثرية والمتاحف التاريخية التي تمثل أحد أهم عناصر الجذب السياحي في البلاد.

وتراهن السلطات في غرب ليبيا على تحويل القطاع السياحي إلى رافعة اقتصادية تساعد في تنويع مصادر الدخل، بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على النفط، مستندة إلى ما تعتبره تحسناً تدريجياً في مستوى الاستقرار منذ عام 2021، إضافة إلى تطوير بعض الطرق والمطارات والفنادق والمنشآت الترفيهية.

لكن مراقبين يرون أن الحديث عن انتعاش سياحي شامل لا يزال سابقاً لأوانه، في ظل استمرار الانقسام السياسي بين حكومتين متنافستين، ووجود مؤسسات مزدوجة في كثير من القطاعات، بما فيها السياحة والآثار، إلى جانب ضعف الإمكانات المخصصة لحماية المواقع التاريخية التي تشكل ثروة حضارية عالمية.

تحسن أمني ومحاولات لتنشيط السياحة

أعرب وزير السياحة في حكومة «الوحدة» المؤقتة، نصر الدين الفزاني، عن تفاؤله بإمكانية تعافي السياحة الليبية، مؤكداً أن البلاد شهدت خلال الأعوام الماضية تحسناً أمنياً ساعد على تنشيط الحركة السياحية وعودة الاهتمام بالاستثمار في القطاع.

وأشار الفزاني إلى أن مشاريع تطوير الطرق والجسور والتوسع في المطارات، إلى جانب نمو أعداد الفنادق والمنتجعات والمرافق الترفيهية، أسهمت في تحسين البيئة السياحية في عدد من المدن الليبية، مؤكداً أن ليبيا تمتلك مقومات طبيعية وتاريخية تجعلها مؤهلة لاستقطاب السياح من مختلف أنحاء العالم.

وتضم ليبيا شريطاً ساحلياً يمتد لأكثر من 1900 كيلومتر على البحر المتوسط، إضافة إلى تنوع بيئي يجمع بين الشواطئ والصحارى والمواقع الأثرية القديمة التي تعود إلى الحضارات الإغريقية والرومانية والإسلامية.

كما تحدث الوزير الليبي عن استقبال البلاد سياحاً من أكثر من 52 جنسية خلال الربع الأول من العام الحالي، مؤكداً أن نسب النمو في قطاعات الفنادق والمطاعم والمنتجعات تراوحت بين 50 و52 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الأرقام الرسمية تشير إلى أن عدد السياح الوافدين إلى ليبيا ما زال محدوداً، إذ بلغ نحو 1257 سائحاً فقط خلال الأشهر الأولى من العام، وهو رقم يعكس حجم التحديات التي تواجه القطاع السياحي في بلد ظل لسنوات طويلة بعيداً عن خريطة السياحة العالمية بسبب الاضطرابات الأمنية والسياسية.

الانقسام السياسي يعرقل التنمية السياحية

يرى متابعون للشأن الليبي أن أبرز العقبات أمام تطوير السياحة تتمثل في استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي بين حكومتين؛ الأولى في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية مكلفة من البرلمان وتسيطر على الشرق والجنوب برئاسة أسامة حماد.

هذا الانقسام انعكس بصورة مباشرة على قطاع السياحة، حيث توجد وزارتان للسياحة تعمل كل منهما بشكل منفصل، ما أدى إلى غياب رؤية وطنية موحدة وخطط استراتيجية طويلة الأمد.

وتقول عضوة المؤتمر الوطني السابق، نادية الراشد، إن ما تشهده ليبيا حالياً لا يمكن وصفه بازدهار سياحي حقيقي، بل مجرد «تعافٍ جزئي ومحلي» يظل هشاً وقابلاً للانتكاس في أي لحظة.

وأضافت أن غياب استراتيجية حكومية موحدة يجعل من الصعب تحقيق نهضة سياحية مستدامة، مؤكدة أن تعدد السلطات والمؤسسات يضعف ثقة المستثمرين والسياح، كما يعرقل تطوير الخدمات الأساسية وحماية المواقع الأثرية.

وأشارت الراشد إلى أن السياحة لا يمكن أن تزدهر في ظل الانقسام السياسي وغياب الاستقرار الإداري، معتبرة أن توحيد مؤسسات الدولة يمثل شرطاً أساسياً لبناء قطاع سياحي قادر على المنافسة الإقليمية والدولية.

المواقع الأثرية بين الإهمال ونقص الحماية

في موازاة الحديث عن تنشيط السياحة، تتصاعد شكاوى المختصين والمهتمين بالتراث بشأن أوضاع المواقع الأثرية والمتاحف التاريخية، التي تعاني من ضعف الحماية ونقص التجهيزات والإمكانات الفنية.

وتبرز مدينة شحات، المعروفة تاريخياً باسم «قورينا»، باعتبارها واحدة من أهم المدن الأثرية في شمال أفريقيا، إذ تضم معابد ومسارح ومواقع تعود إلى الحضارتين الإغريقية والرومانية، وهي مدرجة على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.

غير أن مراقبين يؤكدون أن هذه الكنوز الأثرية تواجه أوضاعاً مقلقة نتيجة غياب الصيانة الحديثة وضعف البنية التحتية الخاصة بالحفظ والتأمين.

وقال مراقب آثار شحات، عادل بوفجرة، إن آلاف القطع الأثرية النادرة لا تزال محفوظة داخل مبانٍ ومخازن قديمة تفتقر إلى أبسط معايير الحماية، مشيراً إلى غياب أنظمة مكافحة الحرائق والفيضانات، ما يعرض المقتنيات لخطر التلف بسبب الرطوبة والحشرات والتقلبات الجوية.

وأوضح أن إنشاء متحف حديث في شحات لم يعد مطلباً ثقافياً فقط، بل ضرورة ملحة لحماية الإرث التاريخي الليبي، مؤكداً أن تطوير القطاع الأثري يمكن أن يسهم في دعم الاقتصاد المحلي وتنشيط السياحة الثقافية.

غدامس تحاول استعادة مكانتها

أما مدينة غدامس، الملقبة بـ«لؤلؤة الصحراء»، فما تزال تحاول استعادة مكانتها السياحية بعد سنوات من التراجع. وتشتهر المدينة بطابعها المعماري الصحراوي الفريد وواحاتها التاريخية التي جعلتها إحدى أبرز المدن التراثية في المنطقة.

ورغم خروج غدامس من قائمة التراث العالمي المعرض للخطر العام الماضي، فإن المدينة لا تزال تواجه تحديات كبيرة تتعلق بضعف الخدمات والبنية الأساسية.

وقال رئيس «جهاز تطوير غدامس»، عبد السلام هيبة، إن متحف غدامس الأثري بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة للحفاظ على مقتنياته التاريخية، مشيراً إلى أن خطط تطوير المتحف أُدرجت ضمن برامج عام 2026، في حال توفر التمويل اللازم.

ويضم المتحف مئات القطع الأثرية التي تعود إلى عصور مختلفة، بينها أدوات من العصر الحجري ومخطوطات نادرة ومحنطات لحيوانات وطيور.

بنغازي بلا متحف وطني حديث

وفي شرق البلاد، تتواصل المطالب بإنشاء متحف وطني حديث في مدينة بنغازي، يحتضن الموروث التاريخي والثقافي للمدينة، ويوفر بيئة مناسبة لحفظ القطع الأثرية وإتاحتها للباحثين والزوار.

ويقول مختصون إن غياب متحف حديث في مدينة بحجم بنغازي يمثل خسارة ثقافية وسياحية كبيرة، خاصة أن المدينة تمتلك تاريخاً طويلاً وموقعاً استراتيجياً مهماً على الساحل الليبي.

تراجع التنسيق بين السياحة والآثار

من جانبه، أقر وزير السياحة في حكومة «الوحدة» بوجود تراجع في مستوى التنسيق بين وزارته ومصلحة الآثار، منذ فصل الأخيرة عن وزارة السياحة عام 2013 وإلحاقها بمجلس الوزراء.

وأوضح أن وزارة السياحة لم تعد تملك صلاحيات مباشرة داخل المدن الأثرية، ما أدى إلى تعطل عدد من مشروعات التطوير والصيانة، في حين تقتصر مهام الوزارة حالياً على الترويج السياحي فقط.

ويرى خبراء أن هذا الفصل الإداري ساهم في إضعاف التكامل بين القطاعين السياحي والأثري، وأدى إلى تراجع مستوى الاهتمام بالمواقع التاريخية التي تعد العمود الفقري للسياحة الثقافية في ليبيا.

السياحة بين الطموح والواقع

ورغم التحديات الكبيرة، لا تزال السلطات الليبية تراهن على قدرة القطاع السياحي على استعادة دوره الاقتصادي والثقافي مستقبلاً، خاصة في ظل ما تملكه البلاد من تنوع طبيعي وحضاري فريد.

لكن تحقيق هذا الهدف، وفق مراقبين، يتطلب أولاً إنهاء حالة الانقسام السياسي، وتوحيد المؤسسات الحكومية، ووضع استراتيجية وطنية متكاملة لحماية الآثار وتطوير البنية التحتية السياحية.

كما يتطلب توفير استثمارات حقيقية في مجالات الأمن والخدمات والفنادق والمطارات والمتاحف، إلى جانب بناء صورة دولية جديدة عن ليبيا باعتبارها بلداً آمناً وقادراً على استقبال الزوار.

ويرى محللون أن ليبيا تمتلك إمكانات سياحية هائلة تؤهلها لتكون من أبرز الوجهات في المنطقة، غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع اقتصادي مزدهر يبقى رهناً بقدرة الدولة على تحقيق الاستقرار السياسي والمؤسسي، وحماية إرثها الحضاري من الإهمال والتدهور.