حوض النيل

الحضور التركي في السودان.. نفوذ هادئ عبر الإغاثة والتنمية

الأربعاء 20 مايو 2026 - 07:38 م
هايدي سيد
الأمصار

تواصل تركيا تعزيز حضورها داخل السودان عبر شبكة واسعة من المشاريع الإنسانية والتنموية التي تنفذها مؤسسات حكومية ومنظمات إغاثية، في وقت يشهد فيه السودان أزمة إنسانية متفاقمة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

وباتت أنقرة تعتمد على نموذج حضور منخفض الضجيج يقوم على الإغاثة والتنمية والخدمات اليومية، عبر مؤسسات تتحرك في مسارات متوازية تشمل الصحة والمياه والزراعة والتعليم والإيواء، إلى جانب الدبلوماسية الميدانية المرتبطة بالمساعدات الإنسانية.

ويأتي هذا التحرك التركي في ظل أوضاع إنسانية معقدة داخل السودان، حيث قدرت الأمم المتحدة عدد المحتاجين إلى مساعدات عاجلة خلال عام 2025 بنحو 30.4 مليون شخص، وهو ما منح الخدمات الإنسانية أهمية تتجاوز بعدها الإغاثي التقليدي لتصبح جزءًا من معادلة النفوذ والتأثير داخل البلاد.

وتحولت مدينة بورتسودان السودانية إلى مركز رئيسي للحضور التركي منذ نقل وزارة الخارجية التركية سفارتها مؤقتًا إلى المدينة في مايو 2023، لتصبح من بين السفارات القليلة التي واصلت عملها الكامل داخل السودان رغم استمرار الحرب.

ومن خلال موقعها على البحر الأحمر، أصبحت بورتسودان منفذًا رئيسيًا لوصول سفن المساعدات التركية، إضافة إلى كونها نقطة اتصال دبلوماسية وميدانية بين المؤسسات التركية والسلطات السودانية والمنظمات الإنسانية العاملة على الأرض.

وتتصدر وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” المشهد التنموي والخدمي داخل السودان، حيث تعتمد الوكالة على تنفيذ مشاريع طويلة الأمد تشمل المياه والطاقة الشمسية والصحة والزراعة والتعليم، بدلًا من الاكتفاء بالمساعدات المؤقتة.

وشملت أحدث المشروعات التركية تشغيل نظام للطاقة الشمسية لتوفير المياه في منطقة أربعات بولاية البحر الأحمر، إلى جانب تجديد قسم العظام في مستشفى مدينة المتمة السودانية، بالإضافة إلى دعم مشاريع زراعية ومصائد للمياه العذبة.

وتؤكد “تيكا” أن حجم مشاريعها وأنشطتها داخل السودان اقترب من ألف مشروع منذ افتتاح مكتبها في البلاد عام 2006، في مؤشر على اتساع الحضور التركي قبل الحرب واستمراره بعدها.

كما يمتد النشاط التركي إلى المجال التعليمي عبر المنح الدراسية وبرامج التدريب المهني وإنشاء المختبرات المدرسية والجامعية، في إطار مساعٍ لتعزيز العلاقات طويلة المدى مع المجتمع السوداني.

وفي الجانب الإغاثي، يلعب الهلال الأحمر التركي دورًا بارزًا في تقديم المساعدات المباشرة للنازحين والمتضررين من الحرب، من خلال توزيع الطرود الغذائية والبطانيات ومواد النظافة وحليب الأطفال ووجبات الإفطار، بالتنسيق مع الهلال الأحمر السوداني.

أما إدارة الكوارث والطوارئ التركية “آفاد”، فتقود عمليات نقل المساعدات الضخمة عبر البحر إلى ميناء بورتسودان، وتشرف على شحنات الغذاء والخيام والمواد الصحية والإيوائية القادمة من تركيا.

كما تنشط منظمات تركية غير حكومية، أبرزها هيئة الإغاثة الإنسانية التركية “İHH” ومؤسسة الديانة التركية، في مجالات الإغاثة الميدانية والمساعدات الموسمية، عبر تشغيل المطابخ المجتمعية وتوزيع السلال الغذائية والمياه والملابس والمساعدات النقدية.

وتتركز الأنشطة التركية بصورة كبيرة في بورتسودان وولاية البحر الأحمر، حيث تتمركز السفارة التركية وتصل المساعدات الإنسانية، إضافة إلى تنفيذ مشاريع المياه والطاقة والخدمات الصحية.

ويمتد النشاط التركي كذلك إلى مدن وولايات أخرى مثل المتمة وعطبرة ونيالا وكسلا والقضارف وسنار، في إطار شبكة جغرافية واسعة تربط أنقرة بالمناطق المتضررة من الحرب ومراكز النزوح والخدمات الصحية والتعليمية.

وفي مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، يبرز مستشفى نيالا التركي السوداني باعتباره أحد أبرز المشاريع الصحية المشتركة، إلى جانب برامج التدريب والتعليم التي دعمتها المؤسسات التركية خلال السنوات الماضية.

ويرى مراقبون أن تركيا تعتمد في السودان على استراتيجية “النفوذ الهادئ”، من خلال التركيز على الخدمات الأساسية والاحتياجات اليومية للسكان، بعيدًا عن الحضور السياسي الصاخب أو التدخلات العسكرية المباشرة.

كما يمنح هذا الحضور الإنساني والتنموي أنقرة مساحة تأثير مهمة داخل السودان، خاصة في ظل الفراغ الذي خلفته الحرب وتراجع قدرة مؤسسات الدولة السودانية على تقديم الخدمات في العديد من المناطق.

ويعتقد متابعون أن استمرار المشاريع التركية في السودان يعكس رغبة أنقرة في الحفاظ على موطئ قدم استراتيجي على البحر الأحمر وداخل القرن الإفريقي، عبر أدوات الإغاثة والتنمية والتعاون المدني.