جيران العرب

من هافانا إلى واشنطن.. هل تقترب كوبا من سيناريو المواجهة العسكرية الأمريكية؟

الثلاثاء 19 مايو 2026 - 07:13 م
مصطفى سيد
الأمصار

تعيش منطقة البحر الكاريبي واحدة من أكثر لحظاتها توترًا منذ سنوات، بعدما عادت كوبا إلى واجهة الصراع مع الولايات المتحدة في مشهد أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة وأزمة الصواريخ الشهيرة التي كادت أن تدفع العالم إلى مواجهة نووية في ستينيات القرن الماضي. 

فمع تصاعد الاتهامات الأمريكية لهافانا، والحديث عن امتلاك الجزيرة المسيّرات العسكرية وخطط لاستهداف منشآت أمريكية، بدأت التساؤلات تتزايد حول احتمالات تحرك عسكري أمريكي جديد في المنطقة، وما إذا كانت كوبا على أعتاب سيناريو مشابه لما حدث مع فنزويلا خلال السنوات الماضية.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه القيادة الكوبية أن بلادها لا تشكل تهديدًا لأي دولة، تتصاعد داخل واشنطن أصوات تدعو إلى تشديد الضغط على النظام الشيوعي، بالتزامن مع تقارير استخباراتية وتسريبات إعلامية تتحدث عن استعدادات وتحركات عسكرية متبادلة، ما يجعل الجزيرة الصغيرة الواقعة على بعد 90 ميلًا فقط من السواحل الأمريكية محورًا جديدًا للتوتر الدولي.

تصعيد مفاجئ يعيد أجواء الحرب الباردة

الأزمة الحالية بدأت تتخذ منحنى أكثر خطورة بعد تداول تقارير أمريكية تحدثت عن حصول كوبا على أكثر من 300 طائرة مسيّرة عسكرية، مع مزاعم بشأن إعداد خطط لاستهداف قاعدة غوانتانامو الأمريكية ومنشآت استراتيجية داخل ولاية فلوريدا. 

ورغم عدم تقديم أدلة علنية تدعم تلك المزاعم، فإن التقارير أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والأمنية الأمريكية.

وفي المقابل، سارعت هافانا إلى نفي الاتهامات بشكل قاطع، معتبرة أن واشنطن تسعى إلى اختلاق ذريعة تمهد لتدخل عسكري محتمل ضد الحكومة الكوبية. وخرج وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز بتصريحات حادة اتهم فيها الإدارة الأمريكية بمحاولة تصنيع أزمة مفتعلة لتبرير “عدوان جديد” على الجزيرة.

كما حذر الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل من أن أي هجوم أمريكي سيقود إلى “حمام دم” وعواقب غير محسوبة، مؤكدًا أن بلاده لا تمتلك أي نوايا عدائية تجاه الولايات المتحدة أو غيرها.

هذا التصعيد المتبادل أعاد إلى الأذهان سنوات الصراع الطويل بين البلدين، والتي بدأت منذ انتصار الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو عام 1959، وما تبعها من قطيعة سياسية وحصار اقتصادي وعقوبات أمريكية استمرت لعقود.

لماذا عادت كوبا إلى دائرة التوتر الآن؟

يرى مراقبون أن توقيت التصعيد ليس عشوائيًا، بل يرتبط بجملة من التحولات الإقليمية والدولية التي تشهدها الساحة العالمية حاليًا، خاصة مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وعدد من خصومها التقليديين، وفي مقدمتهم إيران وروسيا والصين.

وتشير تحليلات سياسية إلى أن واشنطن تنظر بقلق متزايد إلى أي تحركات عسكرية أو استخباراتية قرب حدودها الجغرافية، خصوصًا في ظل تنامي النفوذ الروسي والصيني في أمريكا اللاتينية، وهو ما يجعل كوبا، بحكم موقعها الجغرافي، عنصرًا شديد الحساسية بالنسبة للأمن القومي الأمريكي.

كما يأتي التصعيد في وقت تخوض فيه الإدارة الأمريكية مواجهات سياسية وعسكرية في أكثر من منطقة بالعالم، الأمر الذي يدفع بعض دوائر صنع القرار في واشنطن إلى تبني سياسات أكثر حزمًا تجاه الأنظمة المعادية لها في محيطها الإقليمي.

في المقابل، تعاني كوبا من أزمة اقتصادية خانقة تُعد من الأسوأ منذ عقود، بسبب استمرار العقوبات الأمريكية وتراجع السياحة والأزمات المعيشية ونقص الوقود والكهرباء، ما يزيد من هشاشة الوضع الداخلي ويفتح الباب أمام احتمالات التصعيد السياسي والأمني.

سيناريو فنزويلا يلوح في الأفق

الحديث عن احتمال تكرار “السيناريو الفنزويلي” في كوبا أصبح حاضرًا بقوة في التحليلات الغربية، خاصة بعد ما شهدته فنزويلا خلال السنوات الماضية من عقوبات أمريكية وضغوط سياسية ومحاولات لعزل الرئيس نيكولاس مادورو.

لكن خبراء يرون أن المشهد الكوبي يختلف عن فنزويلا من عدة نواحٍ. ففي حين كان مادورو يمثل رمز السلطة المركزية في كاراكاس، فإن النظام الكوبي يقوم على شبكة أكثر تعقيدًا من القيادات والمؤسسات الأمنية والعسكرية، ما يجعل استهداف القيادة السياسية أقل تأثيرًا على تماسك النظام.

كذلك تختلف الجغرافيا بشكل كبير، فكوبا تقع على مقربة مباشرة من الولايات المتحدة، وهو ما يمنح واشنطن ميزة عسكرية ولوجستية هائلة مقارنة بأي تحرك عسكري بعيد المدى كما حدث في فنزويلا أو مناطق أخرى.

ويرى محللون أن قرب كوبا من القواعد العسكرية الأمريكية في فلوريدا وغوانتانامو قد يسمح بتنفيذ عمليات سريعة ومحدودة دون الحاجة إلى حشد بحري ضخم أو نشر حاملات طائرات كما جرى في أزمات سابقة.

هل تستعد واشنطن بالفعل لعمل عسكري؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على وجود قرار أمريكي نهائي بشن هجوم عسكري ضد كوبا، إلا أن التقارير الاستخباراتية الأخيرة وتحركات جمع المعلومات قرب الجزيرة تشير إلى أن واشنطن ترفع مستوى مراقبتها للموقف بشكل ملحوظ.

ووفق تقديرات خبراء عسكريين، فإن أي عملية أمريكية محتملة ستبدأ على الأرجح بمرحلة استخباراتية مكثفة تشمل مراقبة أنظمة الدفاع الجوي الكوبية والقواعد العسكرية والمطارات ومخازن الأسلحة والطائرات المسيّرة.

كما يتوقع أن تعتمد الولايات المتحدة في حال التصعيد على الضربات الجوية الدقيقة والهجمات السيبرانية، بهدف شل القدرات الدفاعية للجيش الكوبي في الساعات الأولى لأي مواجهة.

لكن رغم التفوق العسكري الأمريكي الساحق، فإن خيار التدخل العسكري يظل محفوفًا بالمخاطر، ليس فقط بسبب احتمالات اندلاع مواجهات دامية داخل الجزيرة، وإنما أيضًا بسبب التداعيات السياسية والدبلوماسية الواسعة التي قد تنتج عنه.

القدرات العسكرية الكوبية.. هل تستطيع الصمود؟

الجيش الكوبي يُعد من أقدم الجيوش في أمريكا اللاتينية، لكنه يعاني من ضعف واضح في التسليح والتكنولوجيا الحديثة، إذ تعتمد معظم معداته على أنظمة سوفياتية قديمة تعود إلى عقود ماضية.

وتشير تقارير عسكرية إلى أن القوات الجوية الكوبية تمتلك عددًا محدودًا من الطائرات المقاتلة، أغلبها من طرازات قديمة لم تعد قادرة على مجاراة التطور التكنولوجي في سلاح الجو الأمريكي.

أما منظومات الدفاع الجوي، فتعتمد بشكل رئيسي على صواريخ قصيرة المدى وأسلحة دفاعية تقليدية، ما يجعلها أقل قدرة على التصدي لهجمات جوية أمريكية واسعة النطاق.

ومع ذلك، يؤكد خبراء أن أي مواجهة عسكرية لن تكون سهلة، نظرًا لطبيعة الجزيرة الجغرافية وكثافة المناطق السكنية واحتمالات اندلاع حرب استنزاف طويلة إذا تطورت الأمور إلى مواجهة مفتوحة.

قاعدة غوانتانامو.. النقطة الأكثر حساسية

تبقى قاعدة غوانتانامو الأمريكية في جنوب شرق كوبا أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين البلدين. فالقاعدة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة منذ أكثر من قرن تُعد رمزًا دائمًا للتوتر السياسي والسيادي بين واشنطن وهافانا.

وتكتسب القاعدة أهمية استراتيجية كبرى بالنسبة للجيش الأمريكي، ليس فقط كموقع عسكري، بل أيضًا كمركز استخباراتي وأمني في منطقة البحر الكاريبي.

ولهذا السبب، فإن أي تهديد محتمل يستهدف غوانتانامو يُنظر إليه داخل واشنطن باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي، وهو ما يفسر الحساسية الكبيرة تجاه التقارير المتعلقة بالمسيّرات الكوبية المزعومة.

جانب كبير من الأزمة الحالية يدور أيضًا في إطار الحرب النفسية والإعلامية بين الجانبين. فالتسريبات الاستخباراتية والتصريحات السياسية المتبادلة تهدف في كثير من الأحيان إلى ممارسة الضغط السياسي وإرسال رسائل ردع أكثر من كونها تمهيدًا فعليًا للحرب.

الإدارة الأمريكية تسعى على ما يبدو إلى إبقاء الضغط على النظام الكوبي وإظهار قدرتها على الرد السريع على أي تهديد محتمل، بينما تحاول هافانا استغلال التصعيد لإثارة المشاعر القومية الداخلية وكسب تعاطف دولي ضد العقوبات والسياسات الأمريكية.

كما تلعب وسائل الإعلام الغربية واللاتينية دورًا بارزًا في تضخيم بعض السيناريوهات المحتملة، الأمر الذي يساهم في رفع منسوب التوتر الإقليمي.

أمريكا اللاتينية تراقب بقلق

التوتر المتصاعد بين واشنطن وهافانا لا يثير القلق داخل كوبا فقط، بل يمتد تأثيره إلى مختلف دول أمريكا اللاتينية، التي تخشى من عودة سياسة التدخلات العسكرية الأمريكية في المنطقة.

وتخشى بعض الحكومات اليسارية من أن يشكل أي تحرك ضد كوبا سابقة قد تُستخدم لاحقًا ضد أنظمة أخرى معارضة للسياسات الأمريكية.

في المقابل، ترى دول أخرى أن استمرار النظام الكوبي بصورته الحالية يساهم في زيادة الاضطرابات السياسية والاقتصادية في المنطقة، خاصة مع تنامي شبكات الهجرة غير الشرعية وتفاقم الأزمات الإنسانية.

هل تتجه الأزمة إلى مواجهة مفتوحة؟

رغم التصعيد الإعلامي والسياسي، يرى كثير من المحللين أن احتمالات اندلاع حرب شاملة ما تزال محدودة، خاصة أن أي مواجهة عسكرية قد تحمل كلفة سياسية وإنسانية مرتفعة للطرفين.

فالولايات المتحدة تدرك أن التدخل العسكري المباشر قد يثير موجة انتقادات دولية واسعة، ويؤدي إلى توتر أكبر مع روسيا والصين، اللتين تربطهما علاقات سياسية واقتصادية متنامية مع كوبا.

كما أن الإدارة الأمريكية قد تفضل مواصلة سياسة الضغط الاقتصادي والعقوبات والحصار السياسي بدل الانخراط في مغامرة عسكرية غير مضمونة النتائج.

أما كوبا، فتعرف جيدًا حجم الفارق العسكري الهائل، لذلك يبدو أن استراتيجيتها الحالية تقوم على الردع السياسي والإعلامي ومحاولة تجنب أي احتكاك مباشر قد يمنح واشنطن مبررًا للتصعيد.

مستقبل العلاقات بين واشنطن وهافانا

العلاقات الأمريكية الكوبية مرت بمراحل متقلبة خلال العقود الماضية، بين التصعيد والانفراج النسبي، كما حدث خلال فترة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، حين شهدت العلاقات انفراجة دبلوماسية غير مسبوقة.

لكن عودة التوترات الدولية والصراعات الجيوسياسية أعادت الملف الكوبي إلى دائرة الاشتباك السياسي والأمني.

ويرى مراقبون أن مستقبل العلاقة بين البلدين سيتوقف على عدة عوامل، من بينها شكل الإدارة الأمريكية المقبلة، ومستوى النفوذ الروسي والصيني في كوبا، وقدرة هافانا على تجاوز أزماتها الاقتصادية الداخلية.

وفي ظل استمرار التصعيد الحالي، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية قد تعيد رسم ملامح التوازنات السياسية والأمنية في البحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية خلال السنوات المقبلة.