كشفت تقارير إعلامية عبرية عن تصاعد خلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن آلية تمويل خطة جديدة لتوزيع المساعدات الإنسانية داخل قطاع غزة، في ظل استمرار الحرب وتعثر جهود إعادة الإعمار، وسط اعتراضات داخل الحكومة الإسرائيلية على استخدام أموال السلطة الفلسطينية في تنفيذ الخطة.
وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، نقلًا عن مصادر سياسية، أن واشنطن وتل أبيب تبحثان حاليًا إعادة تفعيل نموذج لتوزيع المساعدات الإنسانية بعيدًا عن سيطرة حركة حماس، عبر آليات جديدة تشبه تجربة “صندوق المساعدات الإنسانية العالمي” التي طُبقت العام الماضي لكنها انتهت بالفشل بعد تعثر عمليات التوزيع وعدم وصول الدعم إلى غالبية سكان القطاع.
وبحسب المصادر، فإن الإدارة الأمريكية اقترحت تمويل الخطة الجديدة من الأموال التابعة للسلطة الفلسطينية التي صادرتها إسرائيل منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، إلى جانب تخصيص جزء من هذه الأموال لمشروعات إعادة الإعمار المستقبلية داخل القطاع.
إلا أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يرفض هذه الخطوة بشكل قاطع، بسبب معارضته لأي دور قد تحصل عليه السلطة الفلسطينية داخل قطاع غزة، حتى وإن كان هذا الدور غير مباشر أو مرتبطًا فقط بملف المساعدات الإنسانية.
وأكدت المصادر السياسية أن اعتراض سموتريتش تسبب في تجميد المشروع مؤقتًا، خاصة أن الميزانية المخصصة للخطة تقع ضمن صلاحيات وزارة المالية الإسرائيلية، وهو ما خلق حالة من التباين داخل الحكومة الإسرائيلية بشأن مستقبل إدارة الملف الإنساني في غزة.
وتأتي هذه الخلافات في وقت تدرك فيه الولايات المتحدة وإسرائيل، وفقًا للتقارير، أن العمليات العسكرية وحدها لن تكون كافية لتحقيق أهداف الحرب أو إضعاف حركة حماس، وأن الجانب الاقتصادي بات يمثل عنصرًا أساسيًا في الصراع، خصوصًا مع استمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
وتسعى الخطة الأمريكية الإسرائيلية الجديدة إلى إنشاء مراكز لتوزيع المساعدات قرب ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهي مناطق تعتبرها إسرائيل أكثر سهولة من الناحية الأمنية ويمكن لجيش الاحتلال الإسرائيلي تأمينها بشكل مباشر، بما يضمن — بحسب الرؤية الإسرائيلية — تقليل استفادة حركة حماس من المساعدات القادمة إلى غزة.
وأشارت التقارير إلى أن الولايات المتحدة طالبت باستخدام أموال السلطة الفلسطينية التي كانت تُحوّل شهريًا إلى قطاع غزة قبل الحرب، والتي قامت إسرائيل بمصادرتها منذ بداية العمليات العسكرية.
ووفق المعطيات المتداولة، تصل قيمة هذه الأموال إلى نحو 275 مليون شيكل شهريًا، فيما تراكمت المبالغ المصادرة لتقترب من خمسة مليارات شيكل، ما يجعلها مصدرًا ماليًا رئيسيًا يمكن الاعتماد عليه في تمويل المساعدات الإنسانية ومشروعات إعادة الإعمار.
كما نقلت وكالة “رويترز” أن واشنطن ترى ضرورة توجيه جزء من هذه الأموال لدعم خطط إعادة إعمار قطاع غزة مستقبلًا، خاصة في ظل الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية والمرافق الحيوية داخل القطاع.
وفي المقابل، ترى أطراف إسرائيلية أن أي تنسيق مع السلطة الفلسطينية قد يمنحها موطئ قدم سياسي أو إداري داخل غزة، وهو ما يرفضه التيار اليميني المتشدد داخل الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش.

وتزامن هذا الجدل السياسي مع مخاوف دولية متزايدة بشأن مستقبل إعادة إعمار غزة، حيث أوضحت مصادر سياسية أن العديد من الدول المانحة ترفض ضخ أموال ضخمة لإعادة الإعمار قبل وجود ضمانات واضحة تتعلق بوقف التصعيد العسكري ومنع تجدد المواجهات مستقبلاً.
كما تخشى تلك الدول من أن تؤدي أي عمليات عسكرية إسرائيلية جديدة إلى تدمير المشروعات والمنشآت التي قد يتم بناؤها لاحقًا، وهو ما يزيد من تعقيد ملف إعادة الإعمار ويؤخر جهود التعافي داخل القطاع.
وفي السياق ذاته، كشفت الصحيفة العبرية عن وجود تباين داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها بشأن الخطة الجديدة، حيث سبق لجيش الاحتلال الإسرائيلي أن أبدى تحفظات على تجربة مراكز توزيع المساعدات السابقة، بسبب الصعوبات الأمنية واللوجستية التي واجهتها خلال العام الماضي.
ورغم ذلك، تعتقد بعض الجهات داخل إسرائيل أن الظروف الحالية قد تساعد على نجاح الخطة الجديدة، خصوصًا مع تشديد السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مناطق واسعة داخل القطاع.
كما ترى هذه الجهات أن استمرار دخول مئات الشاحنات المحملة بالمساعدات يوميًا إلى غزة يساهم — بحسب المزاعم الإسرائيلية — في تعزيز القوة الاقتصادية لحركة حماس، إلى جانب تنشيط عمليات التهريب والتجارة غير الرسمية المرتبطة بالمساعدات الإنسانية.
وتبقى قضية المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في ظل استمرار الحرب، والانقسامات السياسية داخل إسرائيل، والتباين الأمريكي الإسرائيلي بشأن شكل الإدارة المستقبلية للقطاع.