دراسات وأبحاث

الصين بين أزمة هرمز وضغوط أسواق الطاقة العالمية.. ماذا تفعل؟

الثلاثاء 19 مايو 2026 - 12:31 ص
هايدي سيد
الأمصار

 

تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من الترقب والقلق المتصاعد مع تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز في العالم، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الصين على التعامل مع أي اضطرابات محتملة قد تطال إمداداتها النفطية، في ظل اعتمادها الكبير على الاستيراد وتنامي احتياطاتها الاستراتيجية.

وأبرز تحليل نشرته مجلة “نيوزويك” الأمريكية أن بكين تتحرك بحذر شديد في ملف أزمة مضيق هرمز، مع تأكيدها المستمر على ضرورة بقاء الممر البحري مفتوحاً أمام حركة التجارة العالمية، نظراً لاعتمادها الكبير على تدفقات النفط القادمة من مناطق متعددة، وعلى رأسها الشرق الأوسط. ورغم الانتقادات التي توجهها الصين أحياناً للسياسات العسكرية الغربية في المنطقة، فإنها في الوقت ذاته تبدي تحفظاً تجاه أي تصعيد قد يؤدي إلى تعطيل الإمدادات أو رفع أسعار الطاقة بشكل حاد.

وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه سوق النفط العالمي حالة من عدم الاستقرار، نتيجة عوامل متعددة أبرزها التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، والتغيرات في سياسات الإنتاج لدى تحالف “أوبك+”، إضافة إلى التحولات في الطلب العالمي الذي يتأثر بالنمو الاقتصادي في الاقتصادات الكبرى والانتقال التدريجي نحو مصادر الطاقة البديلة.

ويشير التقرير إلى أن الصين تمتلك أحد أكبر المخزونات النفطية الاستراتيجية في العالم، حيث تُقدَّر احتياطاتها بنحو 1.4 مليار برميل من النفط الخام، وهو ما يكفي لتغطية احتياجاتها لفترة تصل إلى نحو ثلاثة أشهر في حال حدوث انقطاع حاد في الإمدادات.

 وقد عززت بكين هذه المخزونات خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، في إطار سياسة أوسع تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الاستيراد الخارجي.

وتعود سياسة التوسع في التخزين إلى عام 2006، حين بدأت الصين في بناء أولى منشآتها الاستراتيجية للاحتياطي النفطي، قبل أن تتسارع وتيرة التوسع بشكل أكبر بعد جائحة كورونا، وما تبعها من اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، إضافة إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا التي أثرت بشكل مباشر على أسواق الطاقة وأسعار النفط.

وفي هذا السياق، أوضحت تقارير اقتصادية أن الصين رفعت مستويات التخزين خلال عام 2025، مستفيدة من انخفاض أسعار الخام في بعض الفترات، إلى جانب زيادة قدراتها التخزينية. ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه الحكومة الصينية إلى تعزيز ما يسمى “الأمن الطاقي طويل الأمد”، ضمن خططها الاقتصادية والخمسية التي تركز على تقليل المخاطر الاستراتيجية.

ورغم هذه الاحتياطات الكبيرة، فإن الصين لا تزال تعتمد بشكل كبير على واردات النفط، حيث تستورد نسبة ضخمة من احتياجاتها اليومية من الخارج. 

وتشير بيانات حديثة إلى أن واردات النفط الصينية شهدت تراجعاً في بعض الفترات، إلا أن هذا التراجع يُعزى غالباً إلى عوامل لوجستية مرتبطة برحلات الشحن الطويلة، وليس إلى انخفاض هيكلي في الطلب.

وفي المقابل، تظل منطقة الشرق الأوسط مصدراً رئيسياً لإمدادات النفط إلى الصين، رغم تنويعها لمصادر الاستيراد لتشمل دولاً أخرى خارج المنطقة، بما في ذلك روسيا وبعض الأسواق الآسيوية. 

ومع ذلك، فإن أي اضطراب في مضيق هرمز قد ينعكس مباشرة على تكلفة الشحن وأسعار الخام عالمياً، وهو ما يشكل ضغطاً اقتصادياً على بكين، حتى في ظل امتلاكها احتياطيات استراتيجية كبيرة.

ويشير التحليل إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه الصين لا يتمثل فقط في توفر النفط، بل في التكلفة الاقتصادية المرتبطة بتقلبات الأسعار العالمية، حيث تؤدي أي زيادة في أسعار الخام إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج داخل الاقتصاد الصيني، وهو ما ينعكس بدوره على هوامش أرباح الشركات الصناعية وسلاسل التوريد.

كما يلفت التقرير إلى أن الصين تعمل على تقليل اعتمادها النسبي على النفط التقليدي من خلال التوسع في استخدام الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، إلا أن هذه التحولات لا تزال في مراحلها الانتقالية، ما يعني استمرار الحاجة إلى النفط كمصدر أساسي للطاقة في المدى المتوسط.

 

وفي حال حدوث سيناريو إغلاق أو تعطيل لمضيق هرمز، تشير تقديرات إلى أن الصين ستكون قادرة على الصمود لعدة أشهر بفضل مخزوناتها، إضافة إلى إمكانية الاعتماد على مصادر بديلة، لكن ذلك سيأتي بتكلفة اقتصادية مرتفعة، خاصة على مستوى سلاسل الإمداد العالمية وأسعار النقل البحري.

وتوضح التحليلات أن بكين تتعامل مع هذا الملف من منظور استراتيجي طويل الأمد، حيث تسعى إلى تحقيق توازن بين تأمين احتياجاتها من الطاقة وتجنب الدخول في أزمات معقدة في أسواق النفط العالمية. كما تعمل على تعزيز شراكاتها الاقتصادية مع عدد من الدول المنتجة للنفط لضمان استقرار الإمدادات.

من جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة الأمريكية وعدداً من الدول الكبرى تتابع عن كثب تطورات الوضع في مضيق هرمز، نظراً لأهميته الحيوية في حركة الطاقة العالمية، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز في العالم، ما يجعل أي توتر فيه ذا تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي بأكمله.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأبرز هو مدى قدرة الأسواق العالمية، وعلى رأسها الصين، على التعامل مع أي أزمة محتملة في هذا الممر الاستراتيجي، خاصة في ظل تزايد التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة، ما يجعل ملف أمن الطاقة أحد أهم الملفات الاقتصادية في المرحلة الحالية.