المغرب العربي

أزمات المعيشة تضغط على متقاعدي ليبيا وسط مطالب بحلول جذرية

الأحد 17 مايو 2026 - 04:58 م
هايدي سيد
الأمصار

يتصدر ملف المتقاعدين في ليبيا قائمة القضايا الاجتماعية الأكثر تعقيدًا خلال الفترة الحالية، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما تسبب في زيادة معاناة شريحة واسعة من المواطنين الذين يعتمدون بشكل أساسي على المعاشات التقاعدية كمصدر دخل وحيد.

ويؤكد متقاعدون ليبيون أن قيمة المعاشات الحالية لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للحياة اليومية، خاصة مع الارتفاع الكبير في أسعار السلع الغذائية والخدمات، وسط مطالب متزايدة بضرورة إيجاد حلول جذرية ومستدامة بدلاً من الاكتفاء بالزيادات المؤقتة.

وتعود أزمة المعاشات في ليبيا إلى سنوات طويلة، حيث يعتبر كثير من المتقاعدين أن الحكومات الليبية المتعاقبة لم تنجح في معالجة الملف بشكل حقيقي، رغم الوعود المتكررة بإقرار إصلاحات مالية تضمن حياة كريمة لأصحاب المعاشات.

ويطالب متقاعدون ونقابيون ليبيون بتفعيل قانون صدر عام 2013 عن المؤتمر الوطني العام الليبي، ينص على ربط أي زيادات في المعاشات التقاعدية بالزيادات التي يحصل عليها العاملون في مؤسسات الدولة، معتبرين أن تطبيق هذا القانون يمثل خطوة مهمة لتحقيق العدالة الاجتماعية.

وتعيش ليبيا منذ سنوات حالة من الانقسام السياسي والمؤسسي بين شرق البلاد وغربها، وهو ما انعكس بشكل واضح على الملفات الاقتصادية والخدمية، ومن بينها ملف المعاشات والتأمينات الاجتماعية.

وفي ظل هذه الأوضاع، أقرت حكومة الوحدة الوطنية الليبية برئاسة عبد الحميد الدبيبة زيادات مالية للمتقاعدين تراوحت بين 200 و500 دينار ليبي، إلا أن نقابيين اعتبروا أن هذه الخطوة غير كافية لمواجهة الغلاء المتزايد.

وقال القيادي النقابي الليبي فتحي عميش إن الزيادات الأخيرة لا تتناسب مع حجم الأزمة المعيشية، موضحًا أن أسعار السلع الأساسية شهدت ارتفاعات كبيرة خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين قيمة المعاشات ومتطلبات الحياة اليومية.

وأشار عميش إلى أن سعر كيلو اللحوم في بعض المدن الليبية وصل إلى نحو 100 دينار، بينما ارتفعت أسعار الدجاج والزيوت والمواد الغذائية بصورة كبيرة، وهو ما جعل الزيادات الحكومية تبدو مجرد حلول مؤقتة لا تعالج أصل المشكلة.

من جهته، أوضح نقيب المتقاعدين في غرب ليبيا خليل الشقماني أن النقابة وافقت بشكل مؤقت على الزيادات الأخيرة بعد اجتماعات مع مسؤولين حكوميين، على أن تستأنف تحركاتها للمطالبة بتفعيل قانون 2013 عقب انتهاء عطلة عيد الأضحى.

وأكد الشقماني أن المتقاعدين في ليبيا يطالبون بحقوق يرون أنها مشروعة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، داعيًا إلى وضع آلية عادلة تضمن تحسين مستوى المعيشة لأصحاب المعاشات.

كما حذرت المنظمة الوطنية للمتقاعدين في ليبيا من تحويل الزيادات المالية إلى مجرد دعم مؤقت يمكن إلغاؤه مستقبلًا، بدلاً من إدماجها ضمن أصل المعاش التقاعدي، معتبرة أن ذلك قد يؤثر على الحقوق القانونية للمتقاعدين على المدى الطويل.

ولا توجد حتى الآن إحصاءات رسمية دقيقة بشأن أعداد المتقاعدين في ليبيا، إلا أن تقديرات نقابية تشير إلى أن العدد يتجاوز 540 ألف متقاعد في مختلف أنحاء البلاد، بينما تتراوح قيمة المعاشات بعد الزيادات الأخيرة بين 1400 و2400 دينار ليبي وفقًا للفئات المختلفة.

من جانبه، اعتبر عضو مجلس النواب الليبي فهمي التواتي أن الزيادات التي أقرتها الحكومة تمثل خطوة إيجابية، لكنها لا تحقق العدالة الكاملة للمتقاعدين، مشددًا على ضرورة تطبيق قانون 2013 وربط المعاشات بمعدلات التضخم وارتفاع الأسعار.

وأشار التواتي إلى أن العديد من دول العالم تعتمد سياسات لزيادة المعاشات بشكل دوري بما يتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، بهدف حماية المتقاعدين من التأثيرات الاقتصادية السلبية.

ويرى مراقبون أن أزمة المعاشات في ليبيا تعكس تحديات اقتصادية أوسع تعاني منها البلاد منذ سنوات، خاصة في ظل ضعف الاستقرار السياسي والانقسام المؤسسي وتراجع الخدمات العامة.

كما يؤكد خبراء اقتصاديون أن معالجة الأزمة تحتاج إلى إصلاح شامل لصندوق الضمان الاجتماعي الليبي، إلى جانب تحسين إدارة الاستثمارات والأصول التابعة له، والعمل على ضمان التزام الجهات الحكومية والخاصة بسداد مستحقات الصندوق بصورة منتظمة.

وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية، يواصل آلاف المتقاعدين الليبيين المطالبة بإجراءات أكثر عدالة واستدامة، تضمن لهم حياة كريمة بعد سنوات طويلة من العمل والخدمة داخل مؤسسات الدولة الليبية.