شهدت الزيارة الرسمية التي أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية بكين اهتمامًا واسعًا، ليس فقط بسبب اللقاءات السياسية التي جمعته بالرئيس الصيني شي جين بينغ، ولكن أيضًا بسبب الظهور اللافت لمركبات أمنية صينية غامضة رافقت الموكب الرئاسي الأمريكي طوال أيام الزيارة، ما أثار تساؤلات وتحليلات عديدة داخل الأوساط الأمنية والعسكرية بشأن طبيعة هذه المركبات والمهام التي تؤديها.
وخلال تحركات الرئيس الأمريكي في شوارع العاصمة الصينية، ظهرت سيارتان رياضيتان من فئة الدفع الرباعي بتصميم غير تقليدي، حيث بدتا مختلفتين بشكل واضح عن المركبات المعتادة المستخدمة في المواكب الرسمية، خاصة بسبب الارتفاع الكبير في سقفيهما والتجهيزات الخارجية غير المألوفة المثبتة عليهما، الأمر الذي جذب انتباه المتابعين والخبراء في مجال الأمن والحماية الرئاسية.
وبحسب تقارير متخصصة، فإن المركبتين ظهرتا للمرة الأولى يوم 13 مايو/أيار الجاري أثناء تحرك الموكب الرئاسي الأمريكي في بكين، ثم تكرر ظهورهما لاحقًا في أكثر من موقع ضمن التشكيل الأمني المصاحب لتحركات ترامب، وهو ما عزز الاعتقاد بأنهما تؤديان دورًا عملياتيًا مهمًا ضمن منظومة الحماية والتأمين الخاصة بالزيارة.
وتزامن ظهور هذه المركبات مع ترتيبات أمنية مشددة رافقت القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ، في ظل أجواء سياسية حساسة وملفات معقدة تتعلق بالعلاقات بين واشنطن وبكين، إضافة إلى التوترات الإقليمية والدولية المتصاعدة في عدة مناطق حول العالم.
وأشارت التقارير إلى أن أجهزة الخدمة السرية الأمريكية أكدت أنها ليست الجهة المسؤولة عن تشغيل هذه المركبات، لكنها لم توضح بشكل مباشر ما إذا كانت المركبات تتبع للحكومة الصينية أو لجهات أمريكية أخرى تشارك في ترتيبات الدعم اللوجستي والأمني للزيارة.
وتعتمد المركبتان الغامضتان على طرازات حديثة من شركة “هونغ تشي” الصينية، وهي واحدة من أبرز الشركات التي توفر سيارات رسمية لكبار المسؤولين في الصين، إلا أن النسختين اللتين ظهرتا ضمن موكب ترامب بدتا مختلفتين بشكل واضح عن النماذج التقليدية المعروفة من الشركة، حيث خضعتا لتعديلات كبيرة سواء على مستوى الهيكل أو التجهيزات التقنية.
ويرى خبراء أمنيون أن الارتفاع اللافت في سقف المركبتين قد يكون مخصصًا لاستيعاب أنظمة إلكترونية متطورة، تشمل معدات تشويش أو أنظمة حرب إلكترونية أو تجهيزات اتصالات عالية المستوى، وربما منظومات مضادة للطائرات المسيّرة، وهي التقنيات التي باتت تشكل عنصرًا أساسيًا في تأمين تحركات القادة وكبار المسؤولين حول العالم خلال السنوات الأخيرة.
كما رجحت تحليلات أخرى أن تكون المركبتان مزودتين بغرف تشغيل داخلية أو مساحات مخصصة لفرق الدعم التقني والميداني، رغم عدم وجود مؤشرات واضحة على فتحات تشغيل أو منصات خارجية يمكن استخدامها أثناء الحركة.
وأظهرت الصور ومقاطع الفيديو التي وثقت مرور الموكب انخفاضًا واضحًا في الجزء الخلفي للمركبتين، ما دفع بعض المتابعين إلى الاعتقاد بأنهما تحملان معدات ثقيلة أو تجهيزات أمنية متطورة، خاصة مع ظهور مكونات إضافية مثبتة في الخلف لم تتضح طبيعتها بشكل كامل.

ولم تقتصر التجهيزات الأمنية على المركبات الصينية فقط، إذ ضم الموكب الرئاسي الأمريكي أيضًا عددًا من السيارات الأمريكية المعدلة، من بينها سيارات “لينكولن نافيجيتور” و”شيفروليه سابربان”، والتي ظهرت مزودة بأنظمة وتجهيزات سقفية متخصصة تشير إلى استخدامها في مهام الاتصالات والدعم العملياتي خلال تنقلات الرئيس الأمريكي.
وبرزت سيارة “شيفروليه سابربان” بشكل خاص بسبب تصميمها القريب من مركبات “رود رانر” الشهيرة، وهي المركبات التي تستخدمها وكالة اتصالات البيت الأبيض الأمريكية لتوفير الدعم التقني والاتصالات الآمنة أثناء تحركات المواكب الرئاسية داخل الولايات المتحدة وخارجها.
كما ظهرت ضمن التشكيل الأمني شاحنة من طراز “فورد إي سيريز” مزودة بتعديلات خارجية واضحة، شملت سقفًا مرتفعًا وتجهيزات ضوئية وهيكلية خاصة، ما يرجح استخدامها كمركبة دعم ميداني أو للاستجابة السريعة في الحالات الطارئة.
وفي الوقت نفسه، رصدت شاحنات شرطة صينية من طراز “فورد إف-150” مجهزة بتجهيزات مشابهة في مناطق متفرقة من العاصمة الصينية بكين خلال فترة الزيارة، في مؤشر على مستوى التنسيق الأمني الكبير الذي رافق القمة بين الجانبين الأمريكي والصيني.
ويرى مراقبون أن ظهور هذا النوع من المركبات يعكس التطور المتسارع الذي تشهده أنظمة الحماية الأمنية الحديثة، خاصة مع تزايد التهديدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية وتقنيات التشويش، وهو ما يدفع الدول الكبرى إلى تطوير منظومات متقدمة لتأمين تحركات قياداتها السياسية والعسكرية.
كما يعتقد خبراء أن الصين تسعى من خلال هذه التجهيزات إلى إظهار قدراتها التقنية والأمنية المتقدمة، خاصة في ظل المنافسة المتصاعدة مع الولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا والدفاع والذكاء الاصطناعي وأنظمة الحرب الإلكترونية.
ورغم أن استخدام مركبات متخصصة في المواكب الرئاسية ليس أمرًا جديدًا، فإن الشكل غير التقليدي للمركبتين الصينيتين أثار اهتمامًا واسعًا داخل الدوائر العسكرية والأمنية العالمية، خصوصًا مع غياب أي معلومات رسمية دقيقة تكشف طبيعة الأنظمة الموجودة بداخلهما.
ويؤكد محللون أن استمرار ظهور هذه المركبات خلال زيارات رسمية أو قمم دولية مستقبلية قد يساعد في الكشف تدريجيًا عن طبيعة المهام التي تؤديها، وما إذا كانت تمثل جيلًا جديدًا من أنظمة الحماية الرئاسية التي تطورها الصين ضمن سباق عالمي متسارع لتحديث منظومات الأمن السيادي والتقنيات الدفاعية الحديثة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات الدولية تغيرات متسارعة على مستوى أدوات الحماية والتأمين، حيث أصبحت التكنولوجيا عنصرًا رئيسيًا في حماية الشخصيات السياسية رفيعة المستوى، سواء عبر أنظمة الاتصالات المشفرة أو تقنيات التشويش أو وسائل التصدي للتهديدات الجوية الحديثة، وهو ما يعكس حجم التحول الذي يشهده مفهوم الأمن الرئاسي في العالم المعاصر.