دراسات وأبحاث

الثلاسيميا في غزة بين المعاناة الصحية والظروف الإنسانية الصعبة.. ماذا يحدث؟

الأحد 10 مايو 2026 - 12:27 ص
هايدي سيد
الأمصار

يشكل مرض الثلاسيميا أحد أبرز الأمراض الوراثية المزمنة التي تؤثر بشكل مباشر على حياة المصابين به، حيث يندرج ضمن اضطرابات الدم التي تؤدي إلى خلل في إنتاج الهيموجلوبين المسؤول عن نقل الأكسجين في خلايا الدم الحمراء، ما يسبب فقر دم مزمن بدرجات متفاوتة قد تكون في بعض الحالات شديدة الخطورة وتتطلب متابعة طبية مستمرة وعلاجاً طويل الأمد.


ويُعرف هذا المرض أيضاً باسم أنيميا البحر الأبيض المتوسط، نظراً لانتشاره بشكل أكبر في المناطق المحيطة بحوض البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى مناطق أخرى مثل جنوب آسيا والشرق الأوسط. ويعود سبب الإصابة به إلى طفرات جينية وراثية تنتقل من الوالدين إلى الأبناء، حيث تؤثر هذه الطفرات على سلاسل الهيموجلوبين، إما من نوع ألفا أو بيتا أو كليهما، مما يؤدي إلى اضطراب في تكوين خلايا الدم الحمراء وضعف قدرتها على أداء وظيفتها الحيوية.


وتعتمد خطورة المرض على نوع الطفرة الجينية وعددها، حيث تختلف الأعراض من حالة إلى أخرى، فبعض المصابين قد يعانون من أعراض خفيفة، بينما يحتاج آخرون إلى نقل دم دوري مدى الحياة، إلى جانب علاجات تساعد في تقليل تراكم الحديد في الجسم الناتج عن عمليات نقل الدم المتكررة.


وتشير البيانات الطبية إلى أن المرض ينتشر بشكل أكبر بين الأشخاص الذين ينحدرون من أصول جغرافية معينة تشمل دولاً في محيط البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى مناطق في جنوب آسيا والشرق الأوسط، حيث يزداد احتمال وجود الطفرات الوراثية المسؤولة عن المرض في هذه التجمعات السكانية.


ومن أبرز الأعراض المرتبطة بالثلاسيميا فقر الدم المزمن، والشعور الدائم بالتعب والإرهاق، وضعف عام في الجسم، إلى جانب صعوبة في التنفس وعدم انتظام ضربات القلب، إضافة إلى شحوب البشرة نتيجة انخفاض مستوى الهيموجلوبين. 

كما يعاني بعض المرضى من تأخر في النمو لدى الأطفال، وضعف في العظام قد يتطور في بعض الحالات إلى هشاشة شديدة، فضلاً عن مضاعفات أخرى مرتبطة بزيادة الحديد في الجسم نتيجة الاعتماد على نقل الدم بشكل متكرر كخيار علاجي أساسي.


وفي السياق الإنساني، يواجه المرضى المصابون بالثلاسيميا في قطاع غزة الواقع تحت إدارة فلسطينية ظروفاً صحية صعبة للغاية، حيث تتداخل الأزمات الطبية مع التحديات الإنسانية والاقتصادية المتفاقمة. ويعاني القطاع الصحي هناك من نقص حاد في الأدوية الأساسية الخاصة بعلاج المرض، إضافة إلى ضعف الإمكانيات في المختبرات الطبية، ونقص وحدات الدم اللازمة لإجراء عمليات النقل الدوري للمرضى.


وتزداد المعاناة بسبب تضرر عدد من المراكز الطبية المتخصصة نتيجة الأوضاع الميدانية والظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة، الأمر الذي يضع المرضى أمام تحديات يومية للحصول على الحد الأدنى من الرعاية الصحية.

 كما أن تكرار حالات النزوح داخل القطاع يزيد من صعوبة متابعة العلاج بشكل منتظم، ما ينعكس سلباً على الحالة الصحية للمرضى، خاصة الأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة ودقيقة.


وبحسب إحصاءات طبية محلية في القطاع، يبلغ عدد المصابين بالثلاسيميا مئات الحالات، بينهم عدد كبير من الأطفال دون سن الثانية عشرة، بينما يشكل البالغون النسبة الأكبر من المرضى.

 ويعتمد هؤلاء بشكل أساسي على عمليات نقل الدم الدورية للحفاظ على استقرار حالتهم الصحية، إلا أن نقص الموارد الطبية يجعل الحصول على هذه الخدمة أمراً معقداً في كثير من الأحيان.


وتحذر جهات صحية فلسطينية من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية للمرضى بشكل خطير، خصوصاً في ظل عدم توفر الأدوية التي تساعد على تقليل تراكم الحديد في الجسم، وهو أحد أخطر المضاعفات المرتبطة بالمرض على المدى الطويل.


كما دعت الجهات الصحية العاملة في القطاع المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية المتخصصة في الصحة إلى التدخل العاجل لدعم القطاع الطبي، وتوفير الأدوية والمستلزمات الضرورية، إضافة إلى تعزيز قدرات المستشفيات والمراكز الصحية المتخصصة، بما يضمن استمرارية تقديم الرعاية للمرضى المصابين بالأمراض المزمنة، وعلى رأسها الثلاسيميا.


وتؤكد التقارير الطبية أن التعامل مع هذا المرض لا يقتصر على الجانب العلاجي فقط، بل يشمل أيضاً برامج وقائية تعتمد على الفحص المبكر والاستشارات الوراثية للأزواج قبل الزواج، بهدف تقليل احتمالات انتقال المرض إلى الأجيال الجديدة، وهو ما أصبح جزءاً من السياسات الصحية في عدد من الدول التي ينتشر فيها المرض بشكل ملحوظ.


وفي ظل الظروف الحالية، تبقى حياة مرضى الثلاسيميا في قطاع غزة مرهونة بقدرة النظام الصحي على الصمود أمام التحديات، وبمدى توفر الدعم الدولي والإمدادات الطبية اللازمة، خاصة أن المرض يتطلب متابعة مستمرة لا تحتمل الانقطاع، وأي تأخير في العلاج قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة تهدد حياة المرضى.
وبين الواقع الصحي الصعب والاحتياجات الطبية المتزايدة، يستمر مرضى الثلاسيميا في مواجهة معركة يومية من أجل البقاء، في ظل ظروف إنسانية معقدة تزيد من صعوبة التعايش مع المرض، وتضع تحديات كبيرة أمام الجهات الصحية العاملة في القطاع في توفير الحد الأدنى من الرعاية اللازمة لهم.