في ظل تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، عادت التصريحات الإيرانية بشأن الهجمات المنسوبة إليها ضد دول خليجية لتثير موجة واسعة من الجدل السياسي والأمني، خاصة بعد تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، التي أكد فيها أن أي عمليات عسكرية تُشن ضد دول الجوار الخليجي تأتي – بحسب وصفه – في إطار “الدفاع عن النفس”، وأن بلاده “لا تحمل أي ضغينة” تجاه تلك الدول.
هذه التصريحات، التي جاءت في وقت حساس تشهده المنطقة، أعادت فتح ملف الأمن الإقليمي في الخليج، ودور القوى الكبرى في تأجيج أو احتواء الصراعات، إضافة إلى مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة في العالم.

جاءت تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية خلال مقابلة إعلامية، حيث قال إن بلاده لا تستهدف دول الخليج لذاتها، وإنما تعتبر تلك العمليات ردًا على “عدوان أمريكي وإسرائيلي” على إيران، على حد تعبيره.
وأوضح بقائي أن بعض الدول الخليجية “تسمح بوجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها”، وهو ما تعتبره طهران – وفق روايتها – عاملًا مباشرًا في دعم الهجمات ضدها، سواء بشكل لوجستي أو عسكري.
وتعكس هذه التصريحات ثلاثة أبعاد رئيسية في الخطاب الإيراني:
لكن رغم هذا الخطاب، فإن الوقائع الميدانية تشير إلى تصاعد التوتر العسكري في أكثر من جبهة بحرية وجوية في الخليج.

وفق تقارير أمنية وتصريحات رسمية، شهدت المنطقة مؤخرًا سلسلة من الأحداث التي رفعت منسوب القلق الإقليمي، أبرزها:
هذه التطورات دفعت بعض الدول إلى رفع حالة التأهب الدفاعي، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي، وسط مخاوف من توسع نطاق الاشتباك ليشمل منشآت اقتصادية حساسة.
أدانت دولة الإمارات العربية المتحدة الهجمات الأخيرة، ووصفتها بأنها “تصعيد خطير” و“تجاوز مرفوض” للقانون الدولي، مؤكدة أن استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي.
كما أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أن أنظمة الدفاع الجوي تصدت لعدد من المقذوفات، في مشهد يعكس جاهزية دفاعية متقدمة، لكنه في الوقت ذاته يؤكد حجم التهديدات المتزايدة.
وتعتمد دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، على استراتيجية مزدوجة تقوم على:
لكن استمرار التوتر يضع هذه الاستراتيجية أمام اختبار صعب.
يُعد مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
وتشير التصريحات الإيرانية الأخيرة إلى أن طهران تعتبر هذا المضيق ورقة ضغط استراتيجية، حيث صرح مسؤولون إيرانيون بأنهم مستعدون لـ“تعقيد مسار الحرب” إذا تعرضت مصالحهم للخطر.
في المقابل، تعتبر الولايات المتحدة وحلفاؤها أن حرية الملاحة في المضيق “خط أحمر”، ما يجعل أي تصعيد فيه قابلًا للتحول إلى مواجهة دولية واسعة.
إيران
الإمارات العربية المتحدة
مضيق هرمز
الولايات المتحدة الأمريكية
أبرز ما لفت الانتباه في التصريحات الإيرانية هو استخدام عبارة “لا نكن أي ضغينة لأي دولة في المنطقة”، وهو خطاب يحمل في ظاهره رسالة تهدئة، لكنه في مضمونه يرتبط بشرط واضح: استمرار ما تصفه طهران بـ“الدفاع عن النفس”.
هذا الخطاب يمكن قراءته من عدة زوايا:
محاولة لتخفيف حدة الانتقادات الدولية والإقليمية.
التأكيد على أن إيران قادرة على الرد في أي وقت.
نقل المواجهة من “صراع إقليمي” إلى “رد على الولايات المتحدة وإسرائيل”.
وتلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في تفسير إيران للتوترات، حيث تتهم طهران واشنطن باستخدام قواعد عسكرية في الخليج لدعم عمليات عسكرية ضدها.
وتشير إيران إلى أن وجود القوات الأمريكية في المنطقة:
في المقابل، تؤكد واشنطن أن وجودها يهدف إلى “ضمان أمن الملاحة الدولية” وردع التهديدات.
هذا التناقض في الروايات يزيد من تعقيد المشهد السياسي في المنطقة.
أي اضطراب في الخليج لا يقتصر أثره على الدول المطلة عليه، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بالكامل، خصوصًا في:
وقد شهدت الفترة الأخيرة بالفعل:
التصريحات العسكرية الإيرانية الأخيرة تشير إلى:
هذه المؤشرات تعكس استراتيجية تقوم على:
وفي حال استمرار التصعيد، يمكن أن تنعكس الأزمة على عدة مستويات:
أي تعطيل في مضيق هرمز سيؤثر مباشرة على أسعار النفط عالميًا.
ارتفاع احتمالات الحوادث العسكرية أو غير المباشرة.
تراجع الاستثمارات وزيادة المخاطر المالية.
تجميد أو تعطيل مسارات الحوار السياسي.
رغم حدة التصريحات والتطورات الميدانية، فإن معظم التحليلات تشير إلى أن الأطراف الرئيسية لا تزال تحاول تجنب حرب شاملة.
لكن في المقابل، فإن:
كلها عوامل تجعل أي حادث صغير قابلًا للتوسع بسرعة.
يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
عبر مفاوضات غير مباشرة وتفاهمات أمنية.
مع عمليات متقطعة دون حرب شاملة.
في حال استهداف منشآت استراتيجية أو تعطيل الملاحة في المضيق.
التصريحات الإيرانية الأخيرة حول “عدم وجود ضغينة” لا يمكن فصلها عن السياق العسكري والسياسي المتوتر في المنطقة. فهي تأتي في وقت يشهد تصعيدًا متبادلًا بين أطراف متعددة، وتزايدًا في الاعتماد على القوة العسكرية كأداة ضغط سياسي.
وفي الوقت نفسه، فإن دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة، تجد نفسها أمام تحدٍ مزدوج:
أما إيران، فهي تستمر في تبني خطاب “الدفاع عن النفس” مع الإبقاء على خياراتها العسكرية مفتوحة، بينما تظل مضيق هرمز نقطة الارتكاز الأهم في أي مواجهة محتملة.
وفي النهاية، يبقى المشهد الإقليمي مفتوحًا على كل الاحتمالات، في ظل غياب تسوية شاملة قادرة على معالجة جذور الأزمة، وليس فقط تداعياتها.