أعادت تلميحات نائبة الرئيس الأمريكي السابقة كامالا هاريس بشأن احتمال خوضها الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2028، الجدل داخل أروقة الحزب الديمقراطي، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل القيادة السياسية للحزب وقدرته على تجديد نفسه بعد إخفاقات سابقة.
وجاءت هذه التلميحات خلال ظهور علني لهاريس إلى جانب القس الأمريكي آل شاربتون، حيث ألمحت بشكل غير مباشر إلى أنها تدرس خوض السباق الرئاسي المقبل، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة محسوبة لاختبار ردود الفعل داخل الحزب واستطلاع توجهات القاعدة الديمقراطية، خاصة في ظل غياب رؤية واضحة حتى الآن بشأن مرشح توافقي قادر على توحيد الصفوف.
وبينما كان من المتوقع أن تثير هذه الإشارات حالة من الحماس داخل الحزب، فإنها على العكس أعادت إلى الواجهة تساؤلات أعمق تتعلق بإمكانية تكرار الأخطاء ذاتها التي ساهمت في خسارة الديمقراطيين في الانتخابات السابقة. إذ يرى عدد من المحللين أن مجرد التفكير في إعادة طرح نفس الوجوه السياسية قد يعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب البدائل الجديدة داخل الحزب.
ورغم هذا الجدل، تشير بعض المؤشرات الأولية إلى أن هاريس لا تزال تحظى بقاعدة دعم معتبرة داخل الحزب الديمقراطي. فقد أظهرت استطلاعات رأي حديثة، من بينها استطلاع أجرته جامعة هارفارد الأمريكية، ارتفاع نسبة تأييدها إلى نحو 50%، وهو ما يضعها في مقدمة الأسماء المطروحة داخل الحزب لخوض السباق الرئاسي المقبل.
كما أن حملتها الانتخابية السابقة نجحت، بالتعاون مع اللجان الداعمة للحزب، في جمع تمويلات ضخمة تجاوزت مليار دولار، وهو ما يعكس وجود شبكة دعم مالية وتنظيمية قوية يمكن إعادة تفعيلها بسهولة في حال قررت خوض الانتخابات. إلا أن هذه المعطيات، بحسب مراقبين، لا تمثل ضمانة حقيقية لتحقيق الفوز، في ظل تغير طبيعة المزاج الانتخابي الأمريكي خلال السنوات الأخيرة.
فقد أثبتت التجارب السياسية أن القدرة على جمع التمويلات لا تعني بالضرورة القدرة على كسب ثقة الناخبين، خاصة عندما تكون التحديات مرتبطة بالصورة الذهنية للمرشح وتقييم أدائه السابق، وليس فقط بقدراته التنظيمية أو حجم موارده المالية.
وتكمن إحدى أبرز التحديات التي تواجه هاريس في ارتباطها السياسي بإدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، وهو الإرث الذي يعتبره كثيرون أحد أسباب تراجع شعبية الحزب الديمقراطي خلال الفترة الماضية.
فقد جاءت مشاركتها في الانتخابات السابقة في ظروف استثنائية، بعد انسحاب بايدن من السباق الرئاسي على خلفية تصاعد المخاوف بشأن وضعه الصحي، إلا أنها لم تتمكن من تقديم نفسها كبديل يحمل رؤية مختلفة، بل ظهرت باعتبارها امتدادًا للإدارة ذاتها.
هذا الارتباط الوثيق بإدارة بايدن يمثل عبئًا سياسيًا على هاريس، خاصة في ظل الانتقادات التي واجهتها الإدارة بسبب التحديات الاقتصادية، وعلى رأسها ارتفاع معدلات التضخم، الذي أصبح أحد أبرز القضايا التي أثرت على توجهات الناخبين الأمريكيين.

وتشير بيانات استطلاعات الخروج إلى أن نسبة كبيرة من الناخبين الأمريكيين شعرت بتدهور أوضاعها الاقتصادية خلال فترة حكم الإدارة الديمقراطية، وهو ما انعكس في صورة حالة من الاستياء الشعبي، لعبت دورًا حاسمًا في تحديد نتائج الانتخابات.
ويرى محللون أن هذا العامل الاقتصادي لا يزال حاضرًا بقوة في المشهد السياسي، وقد يشكل عقبة رئيسية أمام أي محاولة من هاريس لإعادة تقديم نفسها كمرشحة رئاسية قادرة على كسب ثقة الناخبين، ما لم تتمكن من صياغة خطاب جديد يعالج هذه المخاوف بشكل واضح ومقنع.
ولا تقتصر التحديات على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى الحاجة لإعادة بناء صورة سياسية مستقلة لهاريس، بعيدة عن إرث الإدارة السابقة. إذ يتعين عليها، في حال قررت خوض السباق، أن تقدم رؤية جديدة تعكس قدرتها على قيادة مرحلة مختلفة، وهو أمر يراه البعض صعبًا في ظل ارتباطها الطويل بدوائر صنع القرار داخل الإدارة الديمقراطية.
في المقابل، يراهن بعض أعضاء الحزب الديمقراطي على متغيرات محتملة في المشهد السياسي، من بينها تراجع شعبية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، مستندين إلى مؤشرات تتحدث عن تراجع ثقة بعض ناخبيه به.
إلا أن هذا الرهان لا يحظى بإجماع داخل الحزب، حيث يرى آخرون أنه يحمل قدرًا من المبالغة، خاصة أن الانتخابات المقبلة لن تكون تكرارًا مباشراً للانتخابات السابقة.
كما أن المعطيات السياسية تشير إلى احتمال غياب ترامب عن السباق المقبل، سواء لأسباب قانونية أو دستورية أو سياسية، ما قد يفتح المجال أمام الحزب الجمهوري لتقديم مرشح جديد يتمتع بقدرة أكبر على استقطاب الناخبين، خاصة من الفئات الوسطية التي تلعب دورًا حاسمًا في الانتخابات الأمريكية.
وفي هذا السياق، تبرز أسماء أخرى داخل الحزب الديمقراطي كبدائل محتملة، من بينها حاكم ولاية كاليفورنيا الأمريكية غافن نيوسوم، الذي يسعى إلى تقديم نفسه كوجه سياسي أكثر مرونة وانفتاحًا، من خلال تبني خطاب أقل حدة تجاه القضايا الخلافية، وإظهار استعداد أكبر للحوار مع الخصوم السياسيين.
ويرى مراقبون أن صعود مثل هذه الأسماء يعكس رغبة داخل الحزب في البحث عن قيادات جديدة قادرة على التكيف مع التحولات التي يشهدها الشارع الأمريكي، خاصة في ظل تزايد الميل نحو الشخصيات غير التقليدية، وهي الظاهرة التي برزت بوضوح خلال السنوات الأخيرة.
وفي المجمل، لا تقتصر الأزمة داخل الحزب الديمقراطي على اسم مرشح بعينه، بل تمتد إلى نمط تفكير سياسي يعتمد على إعادة تدوير نفس القيادات، رغم المؤشرات المتكررة على رغبة الناخبين في التغيير.
وتكشف هذه التطورات عن معضلة أعمق تتعلق بقدرة الحزب على قراءة التحولات في المزاج الشعبي، وتقديم بدائل تعكس هذه التغيرات، بدلًا من الاكتفاء بالرهان على شخصيات تنتمي إلى المؤسسة السياسية التقليدية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى قرار هاريس بشأن خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة مرهونًا بقدرتها على تجاوز هذه التحديات، وإقناع القاعدة الديمقراطية والناخبين الأمريكيين بأنها تمثل خيارًا جديدًا، وليس امتدادًا لتجربة سابقة لم تحقق النجاح المطلوب.