دراسات وأبحاث

جبل النفايات المشعة.. بريطانيا على أعتاب أزمة نووية طويلة الأمد تهدد العصر الذهبي للطاقة

الإثنين 04 مايو 2026 - 12:15 ص
مصطفى سيد
الأمصار

تسير المملكة المتحدة نحو ما تسميه الحكومة البريطانية «عصرًا ذهبيًا جديدًا للطاقة النووية»، في إطار خطة طموحة لتعزيز أمن الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية وبناء جيل جديد من المفاعلات النووية، بما في ذلك المفاعلات المعيارية الصغيرة التي تراهن عليها لندن كحل مستقبلي للطاقة النظيفة.

لكن خلف هذا الخطاب المتفائل، تقف أزمة ثقيلة الظل تمتد جذورها إلى أكثر من سبعين عامًا، وتتمثل في تراكم كميات هائلة من النفايات النووية التي لا تزال بلا حل جذري حتى اليوم، لتتحول إلى ما يشبه «جبلًا إشعاعيًا صامتًا» يهدد بإرباك مستقبل البرنامج النووي البريطاني لعقود وربما لقرن كامل.

وبينما تروّج الحكومة لمستقبل نووي مزدهر، تحذر تقارير علمية وصحفية من أن بريطانيا قد تجد نفسها أمام واحد من أعقد ملفات الطاقة في العالم: نفايات مشعة متراكمة، تكاليف هائلة تتجاوز مئات المليارات من الجنيهات، وخطط دفن جيولوجي لم تُنفذ بعد رغم مرور عقود على طرحها.

عصر نووي جديد.. لكن بأي ثمن؟

في تصريحات حديثة، أكد وزير الطاقة البريطاني إد ميليباند أن بلاده تدخل «عصرًا ذهبيًا للطاقة النووية»، مشيرًا إلى خطط تسريع بناء مفاعلات جديدة وتسهيل الإجراءات التنظيمية أمام المشاريع النووية، خصوصًا المفاعلات الصغيرة التي تُقدَّم باعتبارها أكثر مرونة وأقل تكلفة.

وترى الحكومة أن الطاقة النووية تمثل ركيزة أساسية لتحقيق الحياد الكربوني بحلول منتصف القرن، إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والشمس.

لكن هذا التوسع النووي يفتح الباب أمام سؤال جوهري لم تتمكن الحكومات البريطانية المتعاقبة من الإجابة عليه منذ عقود: أين ستذهب كل هذه النفايات النووية؟

ووفق بيانات رسمية، تنتشر النفايات النووية في أكثر من 20 موقعًا داخل المملكة المتحدة، أبرزها منشأة «سيلافيلد» في مقاطعة كمبريا، التي تُعد أكبر موقع لمعالجة وتخزين النفايات النووية في أوروبا.

ويُقدَّر حجم النفايات الحالية بنحو 137 ألف متر مكعب من المواد المشعة، بعضها شديد الخطورة، وقد ظل مخزنًا منذ ستينيات القرن الماضي.

لكن هذا الرقم ليس سوى البداية، إذ تشير تقديرات حكومية إلى أن حجم النفايات قد يقفز خلال العقود المقبلة إلى نحو 4.5 مليون متر مكعب إذا مضت بريطانيا قدمًا في خطط التوسع النووي الحالية.

هذا التراكم الهائل يعني عمليًا بناء «جبل من النفايات النووية» يكفي لملء عدة ملاعب كرة قدم، بحسب توصيفات إعلامية بريطانية، وهو ما يضع الحكومة أمام تحدٍ غير مسبوق.

فاتورة خيالية.. 216 مليار جنيه إسترليني ولا نهاية في الأفق

تُقدّر تكلفة إدارة وتفكيك ومعالجة النفايات النووية الحالية في بريطانيا بنحو 216 مليار جنيه إسترليني، وفق أحدث التقديرات الصادرة عن هيئة إزالة التلوث النووي البريطانية.

وتشير التوقعات إلى أن عملية المعالجة لن تنتهي قبل عام 2130 على الأقل، أي بعد أكثر من قرن من الآن، ما يعكس حجم التعقيد التقني والبيئي للمشكلة.

وتشمل هذه التكلفة عمليات التفكيك، والتخزين المؤقت، وبناء مرافق دفن جيولوجية عميقة، إضافة إلى مراقبة المواقع النووية القديمة التي لا تزال نشطة إشعاعيًا بدرجات متفاوتة.

دفن في أعماق الأرض.. الحل المؤجل منذ 40 عامًا

الخطة الأساسية التي تعتمد عليها الحكومة البريطانية للتعامل مع النفايات عالية الإشعاع هي إنشاء مستودع جيولوجي عميق تحت الأرض، يُعتقد أنه سيكون قادرًا على عزل المواد المشعة لمئات الآلاف من السنين.

وبحسب المقترحات الحالية، قد يتم حفر نفق ضخم في قاع البحر قبالة سواحل كمبريا، لدفن النفايات في طبقات جيولوجية مستقرة.

لكن هذه الفكرة ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى أربعين عامًا على الأقل، دون أن ترى النور حتى اليوم، بسبب خلافات سياسية، ورفض محلي، وتعقيدات مالية وتقنية.

وتتوقع هيئة خدمات النفايات النووية البريطانية أن يبدأ بناء هذا المستودع بحلول عام 2040، على أن يبدأ تشغيله في خمسينيات القرن الحالي ويستمر حتى عام 2200.

تحذيرات علمية: خطر يتزايد مع المفاعلات الجديدة

في الوقت الذي تدفع فيه الحكومة نحو بناء مفاعلات جديدة، يحذر خبراء من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تفاقم أزمة النفايات بدل حلها.

ويؤكد بعض العلماء أن المفاعلات الحديثة، خصوصًا المفاعلات المعيارية الصغيرة، قد تنتج نفايات أكثر كثافة وإشعاعًا مقارنة بالمفاعلات التقليدية، رغم كفاءتها العالية في إنتاج الطاقة.

ويشير خبراء إلى أن تصميم هذه المفاعلات يعتمد على وقود يُحرق لفترات أطول ودرجات حرارة أعلى، ما ينتج عنه مواد مشعة أكثر تعقيدًا في المعالجة والتخزين.

أحد أبرز الانتقادات الموجهة للحكومة البريطانية يتعلق بغياب بيانات دقيقة وشاملة حول الحجم الحقيقي للنفايات النووية المستقبلية.

فبينما تُقدّر الحكومة حجم النفايات عند 4.5 مليون متر مكعب، يرى بعض الخبراء أن الرقم أقل بكثير من الواقع، لأنه لا يشمل النفايات الناتجة عن المفاعلات الجديدة أو المشاريع المستقبلية.

ويصف بعض الأكاديميين هذا النقص في البيانات بأنه «ثغرة خطيرة» قد تؤدي إلى قرارات غير دقيقة في السياسة النووية، وربما إلى تقليل حجم الأزمة الحقيقي أمام الرأي العام.

مخاوف اقتصادية: هل يتحمل الاقتصاد البريطاني العبء؟

إلى جانب التحديات البيئية، تبرز المخاوف الاقتصادية كعامل رئيسي في الجدل الدائر حول الطاقة النووية.

فالتكلفة الضخمة لإدارة النفايات النووية، والتي قد تتجاوز 216 مليار جنيه إسترليني، تمثل عبئًا طويل الأمد على الميزانية العامة البريطانية.

ويرى بعض الاقتصاديين أن التوسع في بناء مفاعلات جديدة دون حل جذري لمشكلة النفايات قد يؤدي إلى تضخم الفاتورة المستقبلية بشكل كبير، وربما يهدد الجدوى الاقتصادية للطاقة النووية نفسها.

رغم التحذيرات، تواصل الحكومة البريطانية الدفاع عن خططها النووية، معتبرة أن الطاقة النووية ضرورية لتحقيق الاستقرار الطاقي وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري.

ويؤكد مسؤولون أن القطاع النووي سيتحمل جزءًا من تكلفة إدارة النفايات، من خلال مساهمات تُدرج ضمن فواتير الكهرباء على المدى الطويل.

لكن هذا الطرح يواجه انتقادات شعبية، إذ يرى معارضون أن المستهلك البريطاني قد يتحمل في النهاية تكلفة أخطاء استراتيجية تراكمت على مدار عقود.

تعود جذور الأزمة إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما بدأت بريطانيا في تطوير برنامجها النووي العسكري والمدني، دون وجود خطة واضحة للتخلص من النفايات.

وفي عام 1976، أوصت لجنة ملكية بوقف التوسع في بناء المفاعلات الجديدة إلى حين إيجاد حل دائم للنفايات النووية، لكن التوصية لم تُنفذ.

واليوم، بعد مرور نحو نصف قرن، لا تزال بريطانيا تبحث عن نفس الحل الذي لم يُحسم بعد.

الخبراء يحذرون: المشروع قد يهدد مستقبل الطاقة النووية

يحذر خبراء الطاقة من أن استمرار تجاهل مشكلة النفايات قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض المشروع النووي البريطاني بالكامل.

فبدون حل مستدام، قد تتحول المفاعلات الجديدة من مصدر للطاقة النظيفة إلى مصدر لأزمة بيئية طويلة الأمد.

ويؤكد بعض الباحثين أن استمرار هذا النهج قد يضع بريطانيا أمام خيار صعب: إما التوسع في الطاقة النووية مع مخاطر بيئية متزايدة، أو التراجع عن المشروع بالكامل.

بين الطموح السياسي والحقيقة العلمية، تقف بريطانيا اليوم أمام مفترق طرق حاسم.

ففي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى بناء مستقبل نووي «ذهبي»، يتزايد حجم النفايات المشعة ليشكل تحديًا وجوديًا للقطاع بأكمله.

ومع غياب حل نهائي حتى الآن، يبدو أن «العصر الذهبي للطاقة النووية» قد يكون مصحوبًا بظل ثقيل من النفايات المشعة التي ستظل شاهدة على قرارات اليوم لعقود وربما قرون قادمة.