دراسات وأبحاث

تحول تكتيكي في أسلوب القتال الروسي بأوكرانيا.. ماذا يحدث؟

الأحد 03 مايو 2026 - 12:07 ص
هايدي سيد
الأمصار

تشهد العمليات العسكرية في الحرب الروسية الأوكرانية تغيرًا ملحوظًا في أسلوب القتال الذي تعتمده القوات الروسية، بعد سنوات من التركيز على الهجمات الواسعة التي تعتمد على الدفع بأعداد كبيرة من الجنود نحو الخطوط الأمامية.

 

هذا الأسلوب الذي ارتبط إعلاميًا بتسمية غير رسمية تعكس حجم الخسائر البشرية، بدأ يتراجع تدريجيًا لصالح مقاربة عسكرية أكثر تعقيدًا وهدوءًا، تقوم على التسلل المحدود بدل المواجهة المباشرة.

ويأتي هذا التحول في ظل استمرار الحرب لسنوات، وما صاحبها من تطور كبير في أدوات الرصد والاستطلاع المستخدمة في ميدان القتال.

 

أسباب التغيير في الاستراتيجية العسكرية

يرجع هذا التحول في الأساس إلى التغيرات الجذرية في طبيعة الحرب الحديثة، حيث أصبحت ساحات القتال في أوكرانيا خاضعة لمراقبة شبه مستمرة من خلال الطائرات المسيرة وأنظمة الاستطلاع الإلكتروني.

هذه التقنيات جعلت من الصعب تنفيذ تحركات عسكرية كبيرة دون اكتشافها بسرعة، ما أدى إلى ارتفاع معدل الخسائر في حال استخدام الأساليب التقليدية للهجوم الجماعي.

كما ساهم تطور قدرات الحرب الإلكترونية في تعقيد عملية التنسيق بين الوحدات العسكرية، وهو ما دفع إلى إعادة التفكير في أسلوب إدارة العمليات الميدانية.

 

التكتيك الجديد: التسلل عبر مجموعات صغيرة

يعتمد الأسلوب العسكري الجديد على تقسيم القوات إلى مجموعات صغيرة جدًا، غالبًا ما تتكون من عدد محدود من الجنود، تتحرك بشكل منفصل داخل مناطق القتال.

وتقوم هذه المجموعات بالتحرك سيرًا على الأقدام في الغالب، مع تقليل استخدام وسائل الاتصال اللاسلكي لتجنب الرصد الإلكتروني.

ويتم تنفيذ العمليات غالبًا في ظروف رؤية منخفضة، مثل ساعات الليل أو المناطق ذات الغطاء الطبيعي الكثيف، بهدف تقليل فرص الاكتشاف.

وتتمثل المهمة الأساسية لهذه المجموعات في التسلل عبر الثغرات في الخطوط الدفاعية، والوصول إلى مناطق خلفية داخل مواقع الخصم، ثم التمركز فيها بشكل مؤقت.

ومع تزايد عدد هذه المجموعات في نقطة معينة، يمكن أن تتحول التحركات الفردية إلى وجود ميداني تدريجي يسمح بفتح مسارات جديدة للتقدم.

دور الطائرات المسيرة في إدارة المعركة

أصبحت الطائرات المسيرة عنصرًا محوريًا في إدارة العمليات العسكرية داخل ساحة القتال، حيث لم يعد دورها مقتصرًا على الاستطلاع فقط، بل امتد ليشمل توجيه القوات على الأرض.

وتستخدم هذه الطائرات في رصد التحركات، وتحديد مواقع الثغرات في الدفاعات، ومتابعة تقدم المجموعات الصغيرة بشكل لحظي.

كما تعتمد القيادات العسكرية على المعلومات التي توفرها الطائرات المسيرة لاتخاذ قرارات ميدانية سريعة، سواء فيما يتعلق بالهجوم أو إعادة التموضع.

وفي المقابل، تعتمد القوات الأوكرانية أيضًا بشكل واسع على هذه التكنولوجيا، ما جعل ساحة القتال أكثر شفافية وخطورة في الوقت نفسه.

 

مناطق تطبيق التكتيك الجديد

تشير التقارير الميدانية إلى أن هذا الأسلوب الجديد في القتال تم رصده في عدة محاور نشطة داخل ساحة الحرب.

ومن بين هذه المناطق، قطاعات شمالية وشرقية وجنوبية تشهد اشتباكات متكررة، إضافة إلى بعض المناطق الحدودية التي تشهد عمليات تسلل متقطعة.

ويبدو أن هذا النمط من القتال يحقق نتائج متفاوتة، حيث ينجح أحيانًا في إحداث اختراقات موضعية، بينما يفشل في أحيان أخرى بسبب سرعة الرصد والاستجابة من الطرف المقابل.

 

التحديات والمخاطر الميدانية

رغم أن هذا الأسلوب يوفر درجة أعلى من التخفي مقارنة بالهجمات الجماعية، إلا أنه لا يخلو من مخاطر كبيرة على الأرض.

فالمجموعات الصغيرة تكون أكثر عرضة للاستهداف عند اكتشافها، خاصة في المناطق المفتوحة التي لا توفر غطاءً طبيعيًا كافيًا.

كما أن الاعتماد على التحرك المحدود يقلل من القدرة على تنفيذ عمليات حاسمة وسريعة، ويجعل التقدم العسكري بطيئًا وتراكميًا.

وفي كثير من الحالات، يتم رصد هذه المجموعات من خلال الطائرات المسيرة قبل أن تتمكن من تحقيق أهدافها، ما يؤدي إلى خسائر مباشرة في صفوفها.

 

قراءة في مستقبل المعركة

يعكس هذا التحول في أسلوب القتال تغيرًا أوسع في طبيعة الحروب الحديثة، حيث أصبحت التكنولوجيا عنصرًا حاسمًا في تحديد شكل العمليات العسكرية ونتائجها.

وتشير التطورات الحالية إلى أن الصراع في أوكرانيا لم يعد يعتمد فقط على القوة العددية، بل على القدرة على التكيف مع بيئة قتال تعتمد بشكل كبير على المراقبة اللحظية والدقة العالية في الاستهداف.

وبينما تستمر العمليات العسكرية، يبدو أن كلا الطرفين يواصل تطوير أدواته وتكتيكاته، في معركة تتسم بالاستنزاف والتغيير المستمر في قواعد الاشتباك.