يشهد جنوب لبنان تصعيدًا عسكريًا متواصلًا في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية التي تستهدف القرى والبلدات الحدودية، بالتزامن مع تحركات ميدانية إسرائيلية توصف بأنها محاولة لتوسيع نطاق السيطرة الأمنية داخل العمق اللبناني.
وتأتي هذه التطورات وسط توتر سياسي وعسكري متزايد، مع استمرار المواجهات بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مرحلة أكثر تعقيدًا.

وأفاد مراسلون ميدانيون باستشهاد 5 أشخاص جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة جبشيت جنوبي لبنان، فيما نفذت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة غارات جديدة على مناطق متفرقة من الجنوب اللبناني.
كما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن اعتراض مسيرة داخل الأراضي اللبنانية، في وقت أكد فيه مسؤولون عسكريون إسرائيليون أن العمليات العسكرية في الجنوب مستمرة بوتيرة متصاعدة.
وفي المقابل، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي مقتل 3 عناصر من حزب الله في قصف جوي استهدف مواقع في جنوب لبنان، مشيرًا إلى إصابة جندي إسرائيلي بطائرة مسيرة أطلقها الحزب وانفجرت قرب قواته المتمركزة على خط الدفاع المتقدم.

أصبحت الطائرات المسيرة تشكل تحديًا متزايدًا أمام الجيش الإسرائيلي، خاصة بعد التطورات التقنية التي طرأت عليها خلال الأشهر الأخيرة.
ووفقًا لما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تواجه صعوبة في اعتراض هذا النوع من المسيرات، خصوصًا بعد تزويد بعضها بألياف بصرية تساعدها على تفادي الرادارات.
وكشفت تقارير إسرائيلية عن وجود حالة من الإحباط داخل الجيش بسبب عدم القدرة على ملاحقة أو إسقاط هذه المسيرات، التي تستخدم على ارتفاعات منخفضة وتحتوي على مواد متفجرة ذات قدرة تدميرية عالية.

وأشارت إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى أن جلسة سرية عقدت داخل الكنيست خلال الأسبوع الماضي، بمشاركة خبير عسكري أوكراني خدم في الحرب الأوكرانية، قدم خلالها توصيات للتعامل مع هذا النوع من المسيرات، إلا أن تلك المقترحات لم تؤخذ بعين الاعتبار، بحسب الرواية الإسرائيلية.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن إسرائيل تسعى إلى توسيع ما تصفه بـ"المنطقة الصفراء" داخل الأراضي اللبنانية، وهي منطقة عازلة تعتبرها تل أبيب ضرورية لحماية قواتها المنتشرة قرب الحدود.
ووفقًا لتقارير إسرائيلية، فإن الجيش يرى أن المنطقة الحالية لم تعد كافية لتأمين القوات، خصوصًا مع استمرار استهداف الجنود عبر الصواريخ المضادة للدروع والطائرات المسيرة.
ولذلك، يجري الحديث عن توسيع نطاق الانتشار الإسرائيلي داخل العمق اللبناني.
كما أصدر جيش الاحتلال خلال الأيام الماضية أوامر إخلاء لسكان مناطق شمال الزهراني وشمال الليطاني، وهي مناطق تقع خارج نطاق الانتشار العسكري الإسرائيلي الحالي، ما يعكس نية لتوسيع العمليات العسكرية في تلك المناطق.

تزامنًا مع التصعيد، تواصل الطائرات الإسرائيلية تنفيذ غارات عنيفة على قرى الجنوب اللبناني، وسط تقارير تتحدث عن استهداف بنى تحتية ومواقع يزعم الاحتلال استخدامها من قبل حزب الله.
وفي هذا السياق، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن القوات الإسرائيلية استخدمت نحو 570 طنًا من المتفجرات خلال عمليات تدمير واسعة في بلدة القنطرة جنوب لبنان، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير أكثر من ألف موقع تابع لحزب الله.
كما تستمر القوات الإسرائيلية في إصدار تحذيرات وإشعارات إخلاء لسكان القرى الحدودية، مع تبرير ذلك بوجود منصات إطلاق صواريخ ومنشآت عسكرية تابعة للحزب.
على الصعيد السياسي، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن وجود ضغوط أمريكية تحد من قدرة حكومة بنيامين نتنياهو على توسيع العمليات العسكرية داخل لبنان.
ووفقًا للتقارير، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي أبلغ وزراء في حكومته بوجود قيود أمريكية تمنع تنفيذ عمليات واسعة النطاق داخل الأراضي اللبنانية.
وتشير هذه المعطيات إلى وجود توازن دقيق بين الرغبة الإسرائيلية في تحقيق مكاسب ميدانية وبين الضغوط الدولية الساعية إلى منع انفجار الوضع بشكل أوسع.
كما كشفت استطلاعات رأي إسرائيلية أن نسبة محدودة من الإسرائيليين تعتقد أن الجيش يحقق إنجازات واضحة داخل العمق اللبناني، ما يضع الحكومة الإسرائيلية تحت ضغط داخلي متزايد.
في المقابل، يواصل حزب الله تنفيذ عمليات عسكرية تستهدف تجمعات وآليات عسكرية إسرائيلية في المناطق الحدودية، مؤكدًا أن عملياته تأتي ردًا على ما يصفه بالخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار.
وتشير التطورات الميدانية إلى أن الحزب يعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيرة والصواريخ المضادة للدروع، في محاولة لاستنزاف القوات الإسرائيلية المنتشرة في المناطق الحدودية.
يبقى المشهد اللبناني مفتوحًا على احتمالات متعددة، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتزايد التصريحات الإسرائيلية بشأن توسيع المنطقة الأمنية، وبينما تتواصل الجهود السياسية لمنع توسع الحرب، تبدو الوقائع الميدانية مرشحة لمزيد من التصعيد خلال الفترة المقبلة.
ومع تداخل الأبعاد العسكرية والسياسية، تبقى الحدود الجنوبية للبنان ساحة مفتوحة لصراع معقد تتداخل فيه الحسابات الإقليمية والدولية، في وقت يترقب فيه الجميع ما إذا كانت التطورات الحالية ستقود إلى تهدئة مؤقتة أم إلى مرحلة جديدة من التصعيد.